القدس | «ع العيساوية؟». «آه عالبلد». «بدّي أوصل على بيت شيرين العيساوي عمّي، ممكن تحكيلي بس نوصل؟». تتدخل امرأة: «قصدها بيت طارق العيساوي». «ولا يهمك خيتا». يتجه «السرفيس» نحو العيساوية. وبعد أن تتبدل الوجوه من القدس الغربية، حيث توقفت الحافلة الآتية من حيفا أول الأمر، إلى القدس الشرقية، تدخل سيارة الأجرة البلدة الواقعة في قضاء القدس المحتلة.

على جدران البيوت شعارات كتبها شباب البلدة. بعضها للمقاومة وبعضها للفصائل والكثير منها للأسرى والشهداء. تسير بك تلك الشعارات إلى أن تصل بيت طارق عيساوي (والد الأسير). عندها يقول السائق: «البيت اللي هناك، مقابل الملعب. بواباته بيضا، الرجّال القاعد هناك على الشرفة هو أبوه لسامر».
حيث يجلس والد سامر هناك، رجال وشجر برتقال. فتح بوابة المنزل من المرة الأولى لا ينجح. عندها يتدخل أحد الشباب الواقفين بجانب الملعب الملاصق للمساعدة. الجميع يراقب الوافد الغريب، قبل أن يتدخل أحدهم «عمي؟ شيرين بنتك بالدار؟»؛ فيتقدّم الوالد.
أهلاً بكم في منزل سامر العيساوي. صاحب أقوى إرادة سُجلت في التاريخ حتى اليوم. الرجل الذي هزم دولة وأحيا شعباً بصيامه الاختياري. الحياة الطبيعية محرَّمة على أهل هذا البيت منذ اعتقال سامر وإضرابه عن الطعام، أو بالأحرى «اعتقالات» سامر. شيرين، اخته، اعتقلت هي الأخرى لمدة سنة. حياة العائلة تتوزع بين السجن، نتيجة الاعتقالات المتكررة، والمستشفى، بسبب مرض الوالدة. تقول شيرين: «هناك ترابط كبير بين أفراد الاسرة، الجميع موجودون من أجل الجميع».
منذ الانتفاضة الأولى وحتى الآن، تتعرض العائلة للملاحقات: الأبناء في السجون، وأحدهم استُشهد. الجدّة استشهدت كذلك. قبل الانتفاضة كانوا يذهبون للتخييم، ويشاركون في الكشافة ويمارسون حياة طبيعية، لكن منذ أن بدأت الانتفاضة، تغيّر كل شيء تغير.
وهل لهذا اختارت دراسة الحقوق؟ تردّ شيرين بأنّها لطالما أرادت أن تكون «كابتن طيران». لكن بما أنها كانت على صلة دائمة مع المحامين بسبب الوضع في البيت، وتأثرت برؤيتهم يدافعون عن إخوتها في المحاكم، وكيف كانوا يطمئنون العائلة إلى أحوال المعتقلين، شعرت بأن هذه المهنة تمسّها وعائلتها بالصميم؛ فعندما كان يُعتقَل أخوتها ويمضون 90 يوماً من التحقيقات دون أن تعلم العائلة أي شيء عنهم، كان المحامي هو المنقذ الوحيد.
وإن كان يُسمح لها كمحامية بزيارة أخوتها الأسرى، تقول إنّهم كانوا يسمحون لها بهذا حتى يوم اعتقالها؛ فمنذ ذلك الحين لم يعد يُسمح لها بزيارتهم، ولا يُسمح لها بأن تكون محامية لأحد أخوتها، سامر ومدحت، في المحاكم الاسرائيلية، ولا حتى أن تكون في مبنى المحكمة خلال يوم المحاكمة. تضيف شيرين، وقد علت محياها ابتسامة خفيفة: «قبل اعتقالي كان دوامي الرسمي في السجن عند أخوتي من الثامنة صباحاً وحتى الخامسة مساءً».
وعن سبب اعتقالها، تقول شيرين: «لأني محامية للأسرى!». وكيف ذلك؟ تشير الى أنها ببساطة حصلت على موافقة المحكمة بتحويل الأموال من أهل أسرى غزة إلى أبنائهم في السجن، بسبب عدم وجود بريد من غزة، لذلك كانت تتلقى النقود من أهل الاسرى، وتقوم بتحويلها لـ«الكنتينا» التابعة للسجن (مطعم) لكل أسير. لكن هذا التصرف «لم يعجب المخابرات، فعدّوه تهمة، فيما لم تعترف المحكمة بموافقتها السابقة على القرار الذي بموجبه سمحت لي بهذا الأمر. هكذا أمضيت سنة في السجن بلا سبب».
وهل اعتادت الاعتقالات؟ تقول: «لا. في كل مرة كان القلق نفسه. لا أقول الخوف، بل القلق. الاشتياق نفسه والمشاعر نفسها، يكون بيننا وفجأة يصبح في السجن ولا نعرف عنه شيئاً. والسجن ليس سهلاً. يعني لو مرض من يدري ان استجابوا له وأخذوه الى العيادة، ويا ريتها عيادة تلائم الاحتياجات». وتتابع: «مثلاً، آخر مكالمة بيني وبين سامر كانت في السابع من تموز 2012 قبل اعتقاله بقليل، تحدثت اليه بحدود الساعة الرابعة والربع عصراً، فيما اعتُقل عند الساعة الرابعة والنصف. وبعدها بيوم، كان هناك يوم زيارة لأخي مدحت في السجن، فاتصلت بسامر اسأله إن كان قد اشترى له ملابس، فأجابني: أنا اشتريت، وجاهزين وهيني راجع. لاحقاً اتصلت به لنعود معاً، الا أن هاتفه كان مغلقاً، ظننت أن شحن بطارية الهاتف قد نفد، قلت في نفسي لا بد سيعود. في ذاك المساء، عند الساعة التاسعة والنصف أو العاشرة لا أدري، أتى شاب الى بيتنا وقال: أنا شفتهم أخذوا سامر».
يرن هاتف شيرين، لكنها لا تجيب. الهاتف لا يتوقف عن الرنين «ما بين الانشغال والقلق لا يظل متسع للنوم، وخاصة عندما تنقطع الأخبار عن سامر، لأن أحداً لا يستطيع زيارته الا محامياً واحداً فقط خلال اليوم. وإضافة الى الطبيب، يوجد حارس مرافق له على مدى الـ 24 ساعة». وتضيف: «عادة ما أقوم بتلطيف الأخبار قبل أن أقوم بنقلها لأمي، حتى تستطيع تقبلها، أخفي قليلاً من الحقائق هنا وهناك، وأعطيها ملخصاً يمكنها أن تتقبله دون أن يصيبها أي سوء، الا أن المعلومات تصلني أنا بشكل صادم ومضطرة للبقاء متماسكة».
عن دور المنظمات الحقوقية والانسانية في محاولة الإفراج عن سامر، تقول إنهم بدأوا الآن في التحرك فقط (منذ أسابيع)». ولماذا الآن فقط؟ تجيب: «نحن العرب عامة لدينا استهتار بحياتنا، تعوّدنا الموت، وصار الموضوع أنو خلص بتنحسب شهيد. يخيم الغضب على عينيها، وتضيف: «سامر لم يضرب عن الطعام ليموت، سامر أضرب عن الطعام كي يعود الى المنزل».
وماذا عن سامر؟ كيف تصفه للناس من خارج صورته المتداولة؟ تشع عيناها وهي تقول: «سامر شخص مرح جداً، بتقعد معه دموعك ينزلوا من الضحك». منذ عودته حتى اعتقاله، كل أحاديثه كانت ممزوجة بالمزاح والضحك؛ مرح لأبعد الحدود. يحب الناس جميعهم، الكبار والصغار ويمازح الجميع. يحب التخييم، وركوب الدراجات. يحب أن يكون دائماً بين الناس. اجتماعي جداً. وهو محبوب جداً أيضاً.
ونظراً إلى عدم وجود فسحات لعب للأطفال، كان يشجع الصغار على ركوب الدراجات معه. ويأخذ الأطفال بجولات على الدراجات الى القرى المهجرة القريبة. الأقصى، القدس، منطقة باب العمود، زيارات لأهالي الأسرى وغيره الكثير. «كان يحاول جاهداً أن يبعد الأطفال عن اللعب في الشوارع واستغلال أوقاتهم بما هو أفضل؛ فكانت رياضة، وجولات للتعرف إلى البلاد وزيارات لأهالي الأسرى».
خلال أيام المواجهات، حين كانت تُغلَق الشوارع وتُحرق الإطارات والقمامة، كان سامر يجمع الشباب بعد التظاهرات لتنظيف الشوارع من أول العيساوية حتى آخرها. في إحدى المرّات استمر التنظيف لثلاثة أيام متواصلة. بالنسبة إلى سامر، كان المهم أن تظل البلدة نظيفة، والناس يحب بعضهم بعضاً، وأن يقلق بعضهم على بعضهم الآخر، وكأنه كان يريد أن يصنع مجتمعاً نموذجياً في العيساوية.
كيف تعيش العائلة محنة ابنها؟ تقول شيرين: «آخر اعتقال لسامر (قبل الأخير) كان عام 2002. في حينها حُكم عليه بالسجن 30 عاماً. أمضى منها 10 سنوات. وبعدها أُفرج عنه خلال صفقة التبادل. حين خرج، كان هناك الكثير من أطفال العائلة الذين وُلدوا خلال فترة سجنه، لا يعرفونه الا من خلال الصور. ولمّا عاد، أحبوه جداً».
وعن معاناة والديها؟ تتنهد تنهيدة عميقة وتكتفي بالقول: «الله يعينهم». وبالرغم من أن الأخبار التي يقومون بإيصالها لهما «مُلطّفة» وبلا تفاصيل، يظل من الصعب عليهما سماعها. هذا عدا عن الشائعات اليومية عن استشهاد سامر، التي تجعل من حياتهما جحيماً دائماً.
شيرين أكبر من سامر بعام واحد. لكن تبدو كأخته الصغيرة. تقول إنها تصغر أخاها الشهيد فادي بسنة أيضاً: «كنا نسمي نفسنا العصابة؛ أنا ومدحت وسامر وفادي وشادي، مقربون جداً. لا أسرار بيننا. أختي متزوجة، وأخي فادي استشهد، أخي مدحت أسير، رأفت متزوج وقد هدموا له بيته، أخي فراس متزوج».
تقاطعنا عمتها فتقول لها شيرين: «أخذوا سامر إلى مستشفى «اساف هروفيه» طمني ماما، كي لا تخاف اذا سمعت الخبر أو رأته في التلفزيون. قولي لها إنه مجرد فحوصات ليس الا قبل أن تراه خبراً عاجلاً». ثم تضيف: «نحاول المحافظة على جو إيجابي في البيت، رغم كل شيء. ونحاول قدر المستطاع تجنب الحديث عن إمكانية استشهاد سامر في أي لحظة. حتى أنا أحاول تجنب هذا الأمر قدر المستطاع؛ ولو سألوني ان كنت اتوقع استشهاده بأي لحظة، أردّ أنني اتوقع عودته الى البيت بأي لحظة».
تتحدث شيرين عن اعتقال سامر الأخير وإضرابه عن الطعام، تقول: «سامر أضرب منذ اعتقاله، لا تاريخ محدد معروف. لكن قبل الأول من آب 2012؛ فهو بعد اعتقاله في السابع من تموز 2012، بدأ اضرابه عن الطعام، لكن نظراً إلى أنه لم يلتق بمحام خلال فترة التحقيق، لم يستطع أن يحدد تاريخ بدء الإضراب.
وماذا عن آخر مرة رأته فيها والدته؟ تقول إن الأمر كان صعباً جداً عليهم. أمها عادت الى البيت باكية، فقد رأته ولم تستطع الحديث اليه. ووصفته بأنه «كومة من العظام والجلد». وعندما حاول أن يبعد شعره عن وجهه ليروه، تساقط شعره. حاولت أن تتمالك نفسها، لكنها لم تستطع.




ردّ إسرائيلي بخصوص سامر خلال الساعات المقبلة

أعلن المختص بالشؤون السياسية في مقر المفوضية الأوروبية في مدينة القدس، يورسفان وينكل، أمس، أنّهم بانتظار ردّ من الجانب الإسرائيلي خلال الـ 48 ساعة القادمة، بشأن مطالب المفوضية بضرورة الإفراج عن الأسرى المضربين عن الطعام، وخصوصاً الأسير المقدسي سامر العيساوي. من جهة ثانية، قالت وزارة شؤون الأسرى والمحررين إن العيساوي أعلن مقاطعة محاكم الاحتلال العسكرية.
وأوضح محامي الوزارة نسيم أبو غوش، أن سلطات الاحتلال حدّدت للأسير جلسة في التاسع من أيار المقبل. وقال إن سامر يرفض الخروج أمام هذه المحاكم. وأكد أن ضغوطاً شديدة تمارس عليه لأجل انتزاع موافقته على الإبعاد، لكنه يرفض هذه الضغوطات، وسيستمر في إضرابه حتى الحرية إلى مسقط رأسه في القدس. وأشار الى أن سامر استجاب لطلب وزير الأسرى عيسى قراقع، بتناول المدعمات الطبية والفيتامينات.
(الأخبار)