الخرطوم | أثارت الاحكام المخففة، الصادرة، أول من أمس، بحق المتهمين في المحاولة الانقلابية الأخيرة في السودان، واقتصرت على سجن 9 عسكريين بين 2 و5 سنوات، الكثير من علامات الاستفهام في الشارع السوداني.

ورغم أن الأحكام أثارت سخطاً كبيراً لدى ما يعرف بمجوعة الـ«السائحون»، ذات الخلفية الاسلامية الجهادية، التي يحسب عليها منفذو الانقلاب، تعتبر المحاكمة المكشوفة التفاصيل للرأي العام أمراً مستحدثاً في التاريخ السياسي السوداني ما بعد انقلاب 1989.
النظام السوداني اعتاد الضرب بيد من حديد، كل من يثبت تورطه في التخطيط لمحاولة قلب النظام، فضلاً عن الشروع الفعلي في المخطط لدرجة تحديد الساعة الصفر. وسبق أن أصدر القضاء العسكري حكماً بالإعدام على 28 ضابطاً في الجيش السوداني، ينتمون الى حزب البعث العربي الاشتراكي عرفوا بـ«ضباط حركة رمضان» منذ أكثر من عقدين من الزمان (1990) بتهمة تنظيمهم انقلاباً عسكرياً على نظام الرئيس عمر البشير، من دون السماح لأسرهم بمعرفة مكان دفنهم حتى الآن. كذلك يقبع إلى اليوم عدد من المعتقلين السياسيين داخل السجون على خلفية محاولة انقلابية منذ عام 2004.
أما هذه المرة، فالمحاولة كانت مختلفة؛ اذ جاءت من قبل عدد من المحسوبين على نظام البشير، في مقدمتهم العميد محمد ابراهيم عبد الجليل (ود إبراهيم)، وهو ما استوجب تعاطياً أكثر حذراً تجاه المتهمين. وفيما تصر السلطات السودانية على أنها التزمت الإجراءات القانونية أثناء التحقيق والمحاكمة، يرى البعض أن المحاكمة ما هي إلا مسرحية، الغرض منها التماشي مع حالة المرونة التي يظهرها النظام هذه الأيام مع خصومه السياسيين، ولا سيما بعد العفو الرئاسي الجزئي، الذي أعلنه البشير الأسبوع الماضي، عن المعتقلين السياسيين وفتح باب الحوار مع القوى السياسية الحزبية للتوصل الى دستور دائم لحكم البلاد.
لكن بدا مثيراً للاهتمام أيضاً مسألة اختيار هيئة الدفاع عن المتهمين، حيث كوّنت الهيئة من مجموعة من المحامين المدنيين المحسوبين على المؤتمر الوطني، في الوقت الذي كان فيه معظم المتهمين ينتمون الى المؤسسة العسكرية، بينما كانت هيئة القضاء تنتمي الى القضاء العسكري.
وحسب مصدر مطلع، فإن قيادات اسلامية كبيرة قادت وساطات مباشرة بين البشير والمتهمين في المحاولة الانقلابية للوصول الى تسوية، لكن اصرار المتهمين على كشف فساد وزير الدفاع، عبد الرحيم محمد حسين، في جميع أقوالهم كشرط لقبول أي تسوية ممكنة، أدى في الختام الى أن يُعرض المتهمون امام المحكمة، على أن تصدر في حقهم أحكاماً مخففة. ويرى محللون أن الاحكام القضائية التي صدرت أول من أمس، تُعَدّ خطوة تمهيدية نحو إعلان العفو عنهم في اقرب وقت، متوقعين تدخل مؤسسة الرئاسة لإعلان ذلك العفو.
في المقابل، كان لافتاً غياب اسم الفريق صلاح قوش عن قائمة المحكومين، رغم أن اسم مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني السابق تصدّر قائمة المتهمين. وعزا خبراء قانونيون إرجاء محاكمة قوش وخمسة من الضباط ينتمون الى جهاز الأمن الى أن المجموعة التي تنتمي الى جهاز الأمن ستحاكَم بصورة منفردة. غير أن مقربين من النظام يرون أن إرجاء الحكومة لمحاكمة صلاح قوش تأتي لكسب مزيد من المساحات في أراضي المعارضة، التي سبق أن اكتوت بنيران صلاح قوش إبان رئاسته لجهاز الأمن والمخابرات الوطني.
ورأى مصدر مطلع، تحدث لـ«الأخبار»، أن الحزب الحاكم قد يمضي في اتجاه فتح ملفات فساد رئيس جهاز الأمن السابق لمزيد من حملة الانتقام منه. وأوضح المصدر أن «الحكومة إذ تفعل ذلك، فإنها تعتمد على خفوت أي اصوات تنادي بإطلاق سراح الرجل على عكس المتهم ود ابراهيم، الرجل الثاني في المحاولة، الذي ارتفعت الكثير من اصوات المجاهدين تنادي بإطلاق سراحه»، نظراً إلى الشعبية التي يحوزها في أوساط المجاهدين الذين كانوا القوة الضاربة للنظام إبان الحرب بين شمال السودان وجنوبه الذي انفصل.