الخرطوم | بعد مرور أكثر من ستة أشهر من توقيع اتفاقية التعاون المشترك بين دولتي السودان وجنوب السودان حول القضايا العالقة، اتفقت اللجان السياسية الأمنية في الثامن من الشهر الحالي على تنفيذ اتفافية الترتيبات الأمنية، وثماني اتفاقيات أخرى، ليمنح هذا التوافق النادر بين جوبا والخرطوم بعضاً من الأمل لسكان البلدين، الذين يرزحون تحت ضغوط اقتصادية.


وهي الضغوط نفسها التي سرّعت هذه المرة من التوافق بين البلدين، وخصوصاً أن اتخاذ جوبا قبل أكثر من عام قرار وقف ضخ نفط الجنوب عبر انابيب الشمال أدى الى تضخم سعر صرف الجنيه في البلدين، رافقته موجة من الغلاء شملت جميع السلع الاستهلاكية.
وبينما رحبت القيادة السياسية في الشمال والجنوب بالاتفاق، كان آخرون، وتحديداً تجار العملة، يتلقون الخبر باحباط. ففي الساعات الأولى من ذاك الصباح، جلس عبد الله أحمد ورفقاؤه الثلاثة أمام أحد محالّ بيع الصحف في انتظار حضور مورد الصحف للوقوف على مخرجات التفاوض بين الخرطوم وجوبا. وحالما تمكنوا من قراءة مانشيت إحدى الصحف، ردد احدهم بصوت لا يخلو من احباط «نجحت الجولة». عبد الله الخمسيني وزملاؤه الذين يمتهنون بيع وشراء العملات الأجنبية كانوا في حالة من الصدمة والذهول، إذ إن نجاح جولة المفاوضات يرافقه انخفاض مفاجئ في سعر النقد الأجنبي في السوق الموازية.
وبالفعل توالى سعر الدولار في الانخفاض منذ اعلان التوصل الى تفاهمات بين الجارين، حتى وصل إلى 6.3 جنيهات مقابل الدولار، بعدما سجل رقماً قياسياً بلغ 7.8 جنيهات. عبد الله قال لـ«الأخبار» «نحن لا علم لنا ما هي علاقة فشل أو نجاح المفاوضات على سعر الدولار، لكن ما نعرفه في السوق السوداء أن ارتفاع سعر صرف الدولار زاد بصورة مطّردة بعد فشل الجولة قبل الماضية». وأضاف «لذلك جلسنا نترقب بتلهف ما ستخرج به الجولة الأخيرة». وبمجرد أن أُعلن الاتفاق وبدء انخفاض سعر الدولار، أصبح هناك وفقاً لعبد الله «شبه ركود في حركة السوق، فكل من يمتلك دولاراً يفضل الاحتفاظ به في جيبه سواء البائع أو المشتري، لحين اتضاح الأمور»، في اشارة إلى مصير تطبيق الاتفاقية، وخصوصاً أن الاتفاقات الموقعة بين الخرطوم وجوبا لم تكن تدخل حيز التنفيذ في العديد من الحالات، بسبب الخلافات التي تطرأ وتؤدي إلى تعطيلها.
في مقابل استياء تجار العملة، كان صلاح محمد مرتاحاً لأنباء انخفاض سعر الدولار، وهو الذي يحضر اوراقه واوراق صغيره المريض للسفر الى مصر طلباً للعلاج. وأوضح محمد أنه سيسارع إلى شراء اكبر قدر من العملة الصعبة لمقابلة احتياجات العملية الجراحية قبل ان يرتفع سعر الدولار مجدداً. هذا التذبذب في سعر الدولار دفع محمد فضل الله، وهو شاب يدير شركة صغيرة، للتأكيد على أنه سيواصل تجميد نشاطة التجاري الى حين اتضاح الرؤية، في ما يخص المفاوضات خوفاً من أن تفشل مجدداً.
ويرجح خبراء اقتصاديون أن سعر النقد الاجنبي سيحقق مزيداً من الانخفاض بعد استئناف ضخ بترول جنوب السودان عبر المنشآت الشمالية، وهو الأمر الذي يعول المواطنون أن ينسحب تدريجياً على باقي السلع المستوردة، وفيما تتأرجح أسعار العملات الأجنبية، وتحديداً الدولار الأميركي واليورو في أسواق العملة السودانية، تستمر اجتماعات اللجنة السياسية الأمنية في أديس أبابا، تحت اشراف الالية الأفريقية الرفيعة المستوى، للوقوف على مدى الالتزام بما جرى الاتفاق عليه. ورغم إعلان كل من جوبا والخرطوم اكتمال سحب قواتهما على الحدود الى خارج المنطقة الآمنة المنزوعة السلاح في الأجل الزمني الذي حددتة الاتفاقية، إلا أن شيطان التفاصيل لا يزال يطل برأسه مجدداً، مع فتح باب النقاش حول ملف شكاوى دعم وإيواء الحركات المتمردة من قبل كل من جوبا والخرطوم.
وحسب مصدر مقرب من المفاوضات تحدث لـ«الأخبار» من أديس أبابا، فإن عدم اعتراف حكومة الجنوب بتقديم دعم إلى حركات تحمل السلاح ضد الخرطوم خارج المنطقة المنزوعة السلاح، قد يؤدي الى عرقلة تنفيذ الترتيبات الأمنية مرة أخرى.