تونس | نفّذ القضاة التونسيون في مختلف الجهات والمستويات القضائية، أمس، إضراباً، استجابة لدعوة نقابة القضاة وجمعية القضاة التونسيين، والهدف هو استقلالية الجهاز القضائي. وشدد القضاة عبر جمعيتهم ونقابتهم على مجموعة من المطالب لم تتفاعل معها الحكومة حتى الآن بشكل أساسي وهي: استقلالية النيابة العمومية عن سلطة وزير العدل، وإلغاء آلية الإعفاء التي تم بموجبها إعفاء أكثر من ٨٠ قاضياً تونسياً، وهو ما أثار الكثير من الجدل والاتهام للحكومة بأنها تصفّي حساباتها مع غير الموالين، إضافة الى توفير ضمانات استقلال القضاء.

ويأتي إضراب القضاة قُبيل إمرار مشروع الهيئة العليا للقضاء العدلي، الذي يفترض أن يناقش اليوم أو غداً في المجلس التأسيسي. ويلقى المشروع معارضة من قبل القضاة، لأنه يسمح بوجود بعض السياسيين في الهيئة، وهو ما يرى القضاة أنه خطوة للسيطرة على المرفق القضائي وتدجينه.
وأثار قانون الهيئة العليا المستقلة للقضاء العدلي جدلاً كبيراً مع هيئة الاعلام، وهو ما تعتبره القوى الديموقراطية والمعارضة دليلاً بيّناً على عدم استعداد حكومة «الترويكا» للوفاء لقيم الانتقال الديموقراطي؛ إذ كانت كتلة حركة «النهضة» المهيمنة على الائتلاف الحاكم أول من اعترض على استقلالية الهيئة العليا للقضاء العدلي، كما كان إعفاء القضاة خطوة مدانة من نقابة القضاة وجمعيتهم، وكذلك من الجمعيات والمنظمات الحقوقية التونسية والدولية، والتي اعتبرت الخطوة فاقدة لأي شرط من شروط العدالة الانتقالية.
كذلك أدانت أحزاب المعارضة وجود مستشارين لوزير العدل السابق من خارج الجهاز القضائي ومن قيادات «النهضة»، بما يؤشر إلى هيمنة الحركة على السلطة القضائية. واعتبرت أيضاً إقالة وزير العدل نور الدين البحيري، القيادي في «النهضة»، استجابة لضغوط المعارضة، لكنها رأت في تعيينه وزيراً مستشاراً لرئيس الحكومة باباً لتوزيع الأدوار.
ومن بين الملفات الكبرى التي تثير الاحتقان بين الحكومة والقضاة وقوى المجتمع المدني أيضاً، ملف رجال الأعمال الممنوعين من السفر. وتتهم قوى المعارضة «النهضة» بابتزاز هؤلاء من أجل مناصرتها، وتوظيف جهاز القضاء للقيام بهذه المهمة. وتجدر الإشارة الى أن عدداً من قيادات النظام السابق يقبعون في السجن منذ أكثر ١٤ شهراً، وهي المهلة القصوى للإيقاف من دون محاكمة.
معركة استقلالية القضاء ليست جديدة، فقد دفع عدد من القضاة التونسيين ثمناً غالياً بسبب إصرارهم على استقلاليتهم، لذلك فإن رفض السلطة الجديدة تشكيل هيئة عليا للقضاء العدلي وإصرارها على تدخل وزير العدل في النيابة العمومية أعاد إلى الأذهان سؤالاً مبدئياً حول دواعي الثورة التي جعلت التونسيين يحلمون بقضاء مستقل وإعلام حر وانتخابات شفافة ونزيهة وحياد الادارة وفصل الحزب عن الدولة.
ورأت رئيسة جمعية القضاة التونسيين، كلثوم كنو، أن هذا الإضراب ليس الا خطوة أولى من أجل فرض استقلالية القضاء. وقالت كنو في تصريحات سابقة إنه لا شيء يؤكد نية الحكومة والسلطة الجديدة بالانتصار لاستقلالية القضاء، وهو ما يهدد جدياً مسيرة الانتقال الديموقراطي؛ فالمؤسسات التي يفترض أن تضمن الانتقال الديموقراطي، وأهمها القضاء والإعلام والإدارة والانتخابات، معطلة. وقد كشفت «النهضة» كحزب مهيمن، عن نية واضحة في استغلال سلطتها لفرض السيطرة على الجسم القضائي، وهو ما عزز مخاوف المنظمات الحقوقية والجمعيات من اغتيال مشروع الانتقال الديموقراطي.