حلب | أكثر من ثمانين ضحية في الحرم الجامعي في حلب. معظمهم من الطلاب الذين كانوا يؤدون أول امتحاناتهم الفصلية، وبينهم نازحون جرى إيواؤهم في المدينة الجامعية، أصبحوا مادة للاتهامات الجاهزة، التي بات السوريون يحفظونها عن ظهر قلب.

وتزامن الانفجاران مع تحليق طائرة حربية سورية، إذ تعددت روايات الشهود العيان الذين تناقلت صفحات «الفيسبوك» رواياتهم. فمنهم من رأى الطائرة تلقي براميل متفجرة، ومنهم من رآها تطلق صاروخين. وانتشرت الشائعات كالنار في هشيم النفوس التي أرهقتها وسائل الإعلام، ومشاهد الدمار، وامتداد الأزمة.
أغلب الشهادات لمن كان في المنطقة، تحدّثت عن تحليق طائرة ورميها ثلاثة بالونات حرارية، في ما يعتقد أنه إجراء قام به الطيار لتفادي صواريخ أطلقت باتجاهه، وبعد ذلك بثوانٍ قليلة وقع أول انفجار، ليعقبه انفجار ثانٍ بعد دقائق. نورا، الطالبة الجامعية، قالت: «سمعت صوت هدير طائرة، فنظرت إلى السماء وشاهدت طائرة ألقت بالونات حرارية وابتعدت، ثم سمعنا بعد دقيقة أو أقل صوت انفجار وبعده دقائق صوت انفجار آخر».
فيما، قال أحمد: «رأيت طائرة تخرق جدار الصوت وتقصف الجامعة بصاروخين قبل أن تطلق بالونات حرارية كتمثيلية فاشلة للادعاء أنّ صواريخ أطلقت عليها سقطت على الجامعة». زميل أحمد يروي، بدوره، أنّ «الآلاف من الطلاب شاهدوا الطائرة وهي تقصف الجامعة»، مضيفاً: «إنّها رسالة من النظام للطلاب لكي لا يتظاهروا أثناء الامتحانات».
هستيريا الروايات المتناقضة والمختلفة بين مؤيد ومعارض وحيادي، التي رافقت الحادث، عدّها حكم، وهو طالب هندسة، أنّها «نتاج التراكمات، والانفعالات، والاضطراب، وهول الفاجعة، والاصطفافات السياسية الجاهزة»، مضيفاً أنّ «علينا تحكيم العقل. لماذا تقصف الدولة الجامعة وسط استنفار أمني واضح يواكب أول يوم امتحاني؟ ولماذا انتظر الصاروخ الثاني خمسة دقائق بعد مرور الطائرة الأجواء فوق الجامعة ليسقط؟». وأضاف طالب الهندسة: «رياضياً، أستنتج من مسافة بُعد تحليق الطائرة عن كلية العمارة، والزمن المستغرق لغاية سقوط الصاروخ الثاني أن لا علاقة للطائرة بذلك».
الكلام يقابل بتشكيك من زميل آخر له، «تقدير الوقت يختلف نفسياً من شخص لآخر، فما تظنه خمس دقائق ربما هو أقل أو كثر، لذلك سيبقى كلامنا في إطار الرأي غير المختص. الرحمة للشهداء. لم يقل لي أيّ شخص إنه شاهد صاروخاً ينطلق من الطائرة بل بالونات حرارية، والحقيقة باتت صعبة في زمن ضياع العقل»، يقول.
وانتشرت مقاطع فيديو تظهر فيها صوت تحليق طائرة عند وقوع الانفجار الأول، ما عدّه المعارضون دليلاً على القصف من الطائرة، مستندين إلى وجود شخص في إحدى اللقطات ينظر إلى الأعلى. هذا الأمر قوبل باستهجان آخرين، ورفضهم.
بدوره، رأى كرم حريري، طالب صيدلة، أنّ «تعامل الإعلام الرسمي وغير الرسمي مع الحادثة كان خالياً من المسؤولية الأخلاقية في نقل الأخبار. إذ كان تخبّط الإعلام السوري كافياً لاستثارة غضب الشارع الحلبي عامةً والطلابي خاصة. فبينما كان الجميع يبحث عن تفسير مقنع يرضي عقله، أو موقفه السياسي، كان الإعلام يتخبط في التصريح بين تفجير إرهابي وصواريخ مضادة للطيران. بينما كانت الشهادات تتحدث عن قصف للطيران الحربي غير مبرر على الجامعة». حريري أضاف أنّ «كل ما كان يطلبه الجميع هو التعامل مع الخبر بإنسانية وشفافية، لكن هذا كان حلماً صعب المنال».
بدورها، أعلنت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة السورية، في اليوم التالي للحادثة، أنّ إرهابيين «أطلقوا القذائف الصاروخية على جامعة حلب من منطقة الليرمون، في محاولة يائسة للتغطية على إفلاس القوى المعادية في تحقيق أهدافها العدوانية، ما استدعى توجيه وحدات من جيشنا ضربات قاسية إلى تجمعات الإرهابيين في الليرمون، وإلحاق خسائر كبيرة في صفوفهم».
من ناحية أخرى، طالبت وزارة الخارجية في رسالتين متطابقتين إلى رئيس مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة بـ«إدانة استهداف المجموعات الإرهابية المسلحة جامعة حلب». وأضاف أنّه «لم يكن هذا العدوان على جامعة حلب الأول من نوعه على المؤسسات التعليمية، حيث دمر هؤلاء المجرمون ما يزيد على 2362 مدرسة وقتلوا بداخلها العشرات من الأطفال والمدرسين الأبرياء». ولفتت إلى أنّ «الحملة على سوريا تجري بمشاركة أجهزة إعلام، طلبت إليها مجموعة من الدول الغربية والخليجية تنفيذ مهمة غير أخلاقية لتضليل السوريين، والرأي العام العالمي حول ما يحدث في سوريا، وتشويه الحقائق وقلب الوقائع».
من جهتها، أدانت موسكو بشدّة «العمل الإرهابي» في مدينة حلب السورية، داعيةً المجتمع الدولي إلى «تبني الموقف الصارم من الإرهاب مهما كانت دوافعه». وفي بيان، أصدرته وزارة الخارجية، لفتت موسكو إلى أنّ الهجوم جاء مع عودة الحياة الطبيعية إلى المدينة، في خطوة انتقامية استفزازية من قبل الإرهابيين.
في المقابل، أدانت الولايات المتحدة «الهجوم الشنيع»، متهمةً النظام في دمشق بشنّه.
وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند إن «الولايات المتحدة تشعر بالصدمة وهي حزينة بسبب الهجوم الدامي الذي نفذه أمس النظام السوري على جامعة حلب».
في السياق، ندّد الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بالهجوم. وقال، في بيان: «مثل هذه الهجمات الشائنة غير مقبولة، ويجب أن تتوقف على الفور. كل الأطراف المتحاربة في سوريا يجب أن تلتزم تعهداتها بموجب القانون الإنساني الدولي». وأضاف: «الاستهداف المتعمد للمدنيين والأهداف المدنية يمثل جريمة حرب».