من الواضح أن الارتباك هو المسيطر على القيادة الفلسطينية في رام الله منذ استشهاد زياد أبو عين. فالشهيد هو رئيس هيئة شؤون الجدار والاستيطان، وبرتبة وزير، ما يستدعي رداً يحمل رسالة سياسية واضحة. اجتمعت القيادة برئاسة محمود عباس، ولم تنجح في اتخاذ القرار الذي ينتظره الشارع الفلسطيني بغضب. كل ما فعلته أنها حمّلت الحكومة الإسرائيلية المسؤولية، وطالبت بتشكيل لجنة تحقيق، وأعادت مطالبتها المجتمع الدولي بتوفير الحماية الدولية للفلسطينيين.


تقرير اللجنة الطبية الخاصة، التي تضمنت وجود طبيب إسرائيلي، خرج سريعاً ليؤكد أن الوزير توفي نتيجة اعتداء الجنود عليه. فاجتمع مجلس الوزراء برئاسة رامي الحمدالله، وانتهى بتأكيد ما أقرته القيادة في اجتماعها السابق. بعد ذلك قيل إن اجتماع القرارات الحاسمة سيعقد مساء الجمعة، ولكنهم عادوا وأعلنوا تأجيله إلى الأحد دون إبداء الأسباب، مع أنّ من الممكن التنبؤ بأن السبب هو انتظار ما سيتمخض عنه اجتماع وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
خلال هذه الاجتماعات غير المجدية، وصل إلى وسائل الإعلام تسريبات عن الخيارات التي تتدارسها قيادة السلطة، وكان أقصى ما تفكر به إقرار انضمامها إلى محكمة الجنايات الدولية ووقف التنسيق الأمني. لكن نائب وزير الخارجية الإسرائيلي، تساحي هنغبي، قال عن هذا التنسيق إنّه «من مصلحة إسرائيل وأيضاً السلطة الفلسطينية، لأنه يتيح للسلطة الاحتفاظ بقدراتها على الحكم ميدانياً»، معبّراً عن أمله في أن يكون «هذا الاعتبار أهم من الرغبة في إشعال الوضع».
ينبغي هنا أن نلخص ما يدور في رأس عباس أصلاً، فرئيس السلطة منذ عام 2005 يركض خلف هدف واحد هو الحصول على دولة ليست على حدود 67، بل ضمن هذه الحدود، وذلك بعد قبوله مبدأ تبادل الأراضي. واستراتيجيته للوصول إلى ذلك باتت أيضاً في منتهى الوضوح، وهي تقوم على مبدأ أنه «إن ضربوك على خدك الأيمن فأدر لهم خدك الأيسر». هو لم يتردد يوماً في تنفيذ ما يطلب منه، إسرائيلياً أو أميركياً، والتنسيق الأمني بات تعاوناً مكشوفاً وفجّاً، وقد وصل في عهده إلى أبشع صوره، ووصفه أيضاً بأنه «مقدس».
حتى في حق العودة، لمّح عباس أكثر من مرة إلى أنه قابل للمساومة، بل أعلن أنه لا يرغب في العودة إلى مدينته صفد، في إشارة واضحة إلى تنازله الشخصي عن هذا الحق. كذلك فإنه في كل مناسبة يعلن قولاً وفعلاً رفضه أي عمل مسلح، ويتعهد بمنع انفجار أي انتفاضة ما دام يقف على رأس السلطة. وحاصر مجال تحركه في مؤسسات الأمم المتحدة وما يسميه «المقاومة الشعبية».
في المقابل، إن أكثر ما يحرج محمود عباس في استشهاد «أبو عين» أنه أثناء الاعتداء على الشهيد لم يكن يحمل صاروخاً، ولا حتى حجراً، بل كان يحاول زراعة شتلة زيتون في أرض مهددة بالمصادرة، وهذا ما جرده من أي أعذار تساعده على التهرب من اتخاذ قرار حاسم للرد على عملية الاغتيال. والمعضلة أمام «أبو مازن» التي يحاول أن يجد لها حلاً هي: كيف يمكن اتخاذ رد فعل يرضي الشارع وينفس غضبه، وفي الوقت نفسه لا يؤدي إلى انهيار المعبد بالكامل، وإفلات سيطرته على الواقع الميداني الذي ضبطه بقوة طوال السنوات الماضية؟ علماً بأنه يعتقد أن أي تصعيد، قد يحدث، سيقطع عليه الطريق إلى مجلس الأمن للمطالبة بإنهاء الاحتلال. أيضاً هناك سؤال آخر: هل القيادة الفلسطينية ستفرط بدماء أبو عين مقابل مغامرة سياسية، وإن فعلت، فهل ستضمن مرور مشروعها في مجلس الأمن بعيداً عن الفيتو الأميركي؟
ويأتي تأجيل لقاء القيادة إلى يوم الأحد انتظاراً لما سيتمخض عنه لقاء كيري ـ نتنياهو، لعل القيادة تجد إجابة عن هذه الأسئلة. لكن المؤكد هنا أن السلطة غارقة في براغماتيتها بمعناها السلبي إلى أبعد الحدود، وإن كان ذلك مقابل أمنيات غير مضمونة التحقق.
الطرف الآخر في هذه المعادلة الذي يقف تحت الأضواء، وعليه أن يتصرف بما يليق بتاريخه الثوري، هو حركة «فتح». فالوزير أبو عين مناضل فتحاوي قديم وعضو مجلس ثوري، لذا ليس هناك ما يبرر لهذه الحركة سكوتها، بغض النظر عن القرارات التي ستصدر عن قيادة السلطة. ومنذ زمن ياسر عرفات كانت هناك مطالبات بأن لا يجمع بين مناصب رئيس «فتح» والسلطة ومنظمة التحرير حتى تحافظ «فتح» على استقلالية قرارها، واليوم هذا الجمع بين هذه المناصب لا يزال قائماً، لكن هذه الحركة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بانتشال نفسها من ثنايا السلطة حتى لا تذوب فيها نهائياً بلا عودة، بل ربما سيأتي عليها الوقت الذي يجب فيه الخروج من عباءة عباس قبل أن يغرق مركبه.