تشيح بنظرك إلى البعيد، فتجد أجساداً تتعفن ويهرب منها الضوء تشبه الخيال، تحاول أن تتحرك وأن تلقي بنفسها على كتف حنون، أو صدر امرأة الكون! الحياة التي لا لون لها، لا تجد إلا قلوباً من الصخر وعيوناً مفترسة للاشيء، تنظر إلى السماء البعيدة تلك التي تطل عليك من الأعلى، ولا ترى إلا دوائر متحركة، هذا جسدك كله دائرة تشي برأسك، وتسأله: هل ترى ملامحي الآن وأنا أنظر إليها؟ هل تعرفني؟ هل مر طيفي عليها قبل الآن؟

وتسأله: لمَ كل هذه اللعنة التي ترافق المعدمين في الأرض؟ لمَ كل هذا الموت المجاني الذي يحيط بنا من كل صوبٍ واتجاه؟ لمَ عليهم وحدهم تُطبّق جميع شرائعكَ في حين لا يصيب السلطويين والملوك منها شيء؟

لم علينا نحن فقط اتّباع تعاليمك وإن خرقناها صُبّت اللعنات علينا؟ ولم يفسد خليفتك في الأرض ويقتل ويهتك أعراضنا ونحن، دائماً نحن، الضحايا؟ لماذا تسكت على افعال «شعب الله المختار» ومن اختار معه من المنافقين يقتلون وينهبون ويعيثون في الارض فساداً وفواجع ومظالم، ولا ترفع إصبعاً لتنتقم للفقراء والمظلومين منهم؟ لماذا تسلط علينا زعماء ملعونين يضيفون الى لعنات العدو شروراً؟ ما الذي فعلناه حتى تفعل بنا كل هذا؟
يا الله! لقد اختلط علينا الأمر، ولسنا نعلم من نحن ومن هم وما هي طريقك. وكلما بحثنا عنك نجدك بعيداً، كلما اقتربنا منك هربت... وتركتنا وحدنا. قدّمنا أرواحنا إليك أضحيات، قدمناها مؤمنين بك... فخذلتنا، قدّمنا أبناءنا وبناتنا ووطننا فتركتهم وحدهم يقاتلون. وفي وقت راحتهم من العدو... يفتك بنا خلفاؤك المسلمون، يا الله ألا يكفي؟ ألم يحن الوقت لتظهر مجدك وسموك؟ وأن تنتصر للفقراء؟
قلت لنا أن شهر رمضان هو شهر الرحمة والمغفرة، فكثر موتنا وكثر قتلانا وزاد عبئنا أكثر مما نحتمل. نصوم في النهار عن الطعام والشراب ونتقرب إليك، وفي النهار أيضاً يتفق أعداؤك وأعداؤنا علينا، قتل باسمك في سوريا، وقتل باسمك في فلسطين، وقتل باسمك في لبنان ومصر والعراق ..لا بل في كل مكان، وفي الليل حين نرغب أن نستريح قليلاً ونتأمل كونك... تأتينا الفواجع، يأتينا الجنود المدججون بكل شيء إلا برحمتك، ويعيثون بأرضك فساداً، ويزيدون عدد القرابين، قرابين في اول العمر لم يتسنَّ لها بعد ان تفهم الحياة او تعرفها. لمَ اخترتهم؟ لمَ اخترتهم دون أبناء الرئيس والوزير والمدير؟ أحياناً نشعر أن ما يحدث ليس إلا مزاحاً وانك ستعيد شهداءنا إلينا.
سأخبرك عن حال الأرض يا الله: أما العرب، فحالهم لا يوحي بالفرج، فقد أصبحوا خارج الزمن، وفلسطين لم تعد قبلتهم، يذهب ظالم ويأتي ألعن منه.
وبالنسبة إلى أبناء الأسياد: فنحن لا نطلب موتهم، ولا نطلب سحقهم، ولا نطلب لعنهم أو التمثيل بهم، ولا نطلب أن تبطش بهم، أو تستبيح بيوتهم أو أن تزج بهم في قبورك أو تعصب عيونهم وتشبعهم ضرباً مبرحاً كما يفعل بنا الأعداء، ولا نطلب أن تصيبهم رصاصة فتفقأ عيناً من عيونهم، ولا نطلب أن يذوقوا طعم الخوف والشلل، ولا أن يستخدموا كرسياً متحركاً إن وجدوا أصلاً من يتبرع لهم به، بل نسألك لماذا نحن فقط؟
أمهاتنا تعبت، منذ سبع وستين سنة، وعدونا واحد يلملم معه المنافقين من أوليائنا، وقبلها أعداؤنا كانوا كُثراً لكنهم كانوا واضحين ومحددين.
أول كلام سمعته من والديّ كان الدعاء باسمك وإليك، وكبرت وما زالت الكلمات هي نفسها ترن في اذني، هكذا سرت على طريقهما ودعوتك ورجوت. دعوتك، وفي المساجد والبيوت والشوارع وحتى في أحلامنا دعوناك بالدعاء نفسه، ما زالت هذه الدعوات تطير إليك، ألم تصلك بعد؟ أيعقل أنها تحتاج إلى ترجمة؟
ألم تدعُنا إلى قتال من يهتك أعراضنا، وأنك لن تتخلى عنّا؟ وحين فعلناها صرنا وحدنا وتكالبت كل الدنيا علينا. ألم تشاهدهم يقتلون محمد (ابو خضير)؟ عذبوه وأحرقوه، ألم تتألم مثلنا؟ المنظر كان فظيعاً، فكيف سمحت لهم؟
كيف تركتهم يتلذذون بهذا الجنون؟ وفوق هذا كله لا أحد يرى ألمنا سوانا، نحن الضحايا ولا أحد معنا، لا أحد… حتى أنت.
أرشدنا، دلّنا… فكل الطرق تؤدي إليك. قلت وأنت الأعظم اسالوني أستجب لكم، فكم منّا وقف ببابك باكياً ومظلوماً وعادوا خائبين؟! وها نحن نسألك، فاستجب... استجب.
إلهي: نريد أن نعود شعباً واحداً، وأن يكون ألمنا ألمك وألمك ألمنا، نريد أن نكون أحرارك في الأرض، وأن تخلصنا من الخونة والعملاء والمنسقين والمتسلطين، نريد أن نسترد قوتنا التي فقدناها منذ عام ١٩٩٤، نريد ذلك الشعب المتماسك، فهل هذا كثير علينا و... عليك؟
جربنا يا الله، جربنا ولو مرة واحدة وسترى ماذا سنفعل. سترى كم سنصبر ونحن نضحك، ونبتسم ونشعر بالسعادة والتوحد فيك.
كل ما نطلبه أن تخلصنا من عبئنا الزائد، من أوليائك على الأرض.
فهلا أجبت؟