تونس | يطرح المتابع للوضع العام في تونس، وخصوصاً للمؤشرات الاقتصادية المضطربة، تساؤلات عميقة عدة عن حقيقة الوضع الاقتصادي في تونس والتوازنات المالية وعن الذي ينتظر تونس على المدى القريب والمتوسط وعن دور الحكومة المقبلة في هذا المجال.


وقال وزير الاقتصاد والمالية حكيم بن حمودة في حديثٍ لـ«الأخبار»، إن هشاشة النمو تحكم الوضع الاقتصادي في البلاد، «ومن المتوقع بحسب المؤشرات الحالية أن تراوح نسبته مع نهاية السنة بين 2.5 و2.8% على أقصى تقدير». وأشار إلى أن تحليل هذه النسبة وقراءتها يجب أن يأخذا في الاعتبار أولاً الوضع الاقتصادي العالمي الذي يتسم بالضبابية والتراجع، حيث لن تتجاوز نسبة نمو الاقتصاد العالمي على الأكثر، 3.3% هذا العام، مقابل 7% عام 2000، خصوصاً الاتحاد الأوروبي، شريك تونس الأساسي الذي يمر بدوره بفترة دقيقة وصعبة لن تمكنه من تحقيق نسبة نمو عالية، لن تتجاوز نحو 0.3 %، مضيفاً أن ذلك «ينعكس بصورةٍ كبيرة على الوضع في تونس، خصوصاً في ظلّ سياسات مالية توسعية تتميز بالحدة تم ضبطها بعد الأزمة الاقتصادية العالمية سنة 2008 و2009، وهو السبب الأول وراء هشاشة النمو». ويضيف بن حمودة إلى أن الوضع الداخلي يؤدي دوراً في هذا المجال أيضاً، مشيراً إلى «المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد في ظلّ عدم الاستقرار والانتظار وتراجع نسبة النمو». ويقول إنه «رغم تراجع الوضع الاقتصادي العالمي، ورغم محدودية نسبة النمو في تونس، فقد تحقق الاستقرار مع الحدّ من تدهور المالية العمومية، وهو أكبر كسب، حيث ستكون نسبة العجز في الميزانية أقل من 6% في 2014 وأقل من 5% في 2015».
وأكد بن حمودة أن تباطؤ نسق الإصلاحات المتفق عليها بين تونس وصندوق «النقد الدولي» بسبب القوانين العالقة، التي رفض نواب المجلس الوطني التأسيسي التصديق عليها، «كان سبباً في تعقيد سير النقاش وصعوبته مع صندوق النقد والبنك الدولي، وهي اتفاقات تعتبر التزامات تونس مطالبة بتنفيذها وفق البرنامج المحدد الذي اتُّفق عليه». وقال الوزير إنه للخروج من الوضع الصعب لا حل أمام تونس، وخصوصاً الحكومة المقبلة، إلا أن تصبّ كل اهتمامها على الاستثمار وخلق الثروة وبعث رسائل طمأنة إلى المستثمرين الذين يقفون بعيداً وينتظرون هدوء الأوضاع الأمنية في تونس لينطلقوا في بعث استثماراتهم ومشاريعهم التي ستساعد تونس على الخروج من هذا المنعطف الاقتصادي الخطير.

الاستدانة من الخارج

ورغم توقع وزير الاقتصاد والمالية أن تراوح نسبة نمو تونس خلال كامل سنة 2014 نحو 2,5 و2,8%، أصدر البنك المركزي التونسي، أول من أمس، بياناً، إثر اجتماع مجلس إدارته الذي انعقد بهدف تدارس الوضع الاقتصادي في البلاد، أكد فيه أن نسبة نمو تونس ستكون أقل من 2,5% مقابل 3% متوقعة لسنة 2015، معرباً عن قلقه إزاء استمرار الوضعية الهشة للقطاع الخارجي، خصوصاً مع تفاقم العجز الجاري الذي ارتفع إلى نحو 35,5٪، وأصبح تمويله معتمداً بالأساس على الاستدانة الخارجية، في ظلّ تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر، وهو ما يطرح إشكالية التحكم في تطور مؤشرات المديونية خلال السنوات المقبلة.
هذا المعطى بالذات يتقابل مع تصريح وزير الاقتصاد التونسي الذي بيّن فيه أن السنوات المقبلة، تحديداً 2015 و2016 و2017، ستكون سنوات صعبة، على اعتبار أن خدمة الدَّين الخارجي الذي تجاوزت نسبته حالياً 52%، ستتضاعف، مشدداً على ضرورة المحافظة على نسق الإصلاحات الاقتصادية والنمو والاستثمار ومسك التوازنات العامة للبلاد.
رهانات وتحدّيات كبيرة تواجه تونس، تحدّث عنها الباحث في الاقتصاد الدكتور فيصل الزاير، لـ«الاخبار»، مبيّناً أنها تتعلّق بعجز الموازنة العامة وعجز الميزان التجاري وارتفاع الأسعار والبطالة، «وهي تحديات ثقيلة تتطلب إجراءات عميقة وسريعة»، وفق الزاير الذي رأى أن حلّ هذه القضايا هو العمل وزرع ثقافة المبادرة الخاصة في بعث المؤسسات وعدم الاتكال على الحكومة في توفير مواطن العمل.
ورأى الباحث الاقتصادي أن المجتمع التونسي بدأ يتنصّل من مسؤولية المحافظة على العمل وتطويره تدريجاً، بسبب العديد من العوامل، «أهمها اليأس والإحباط الذي سببته سياسة التهميش والمحاباة والتقسيم غير العادل للوظائف المعتمدة من قبل الحكومات التي تلت الثورة وأدت إلى نتائج غير سليمة بسبب سوء التصرف والمحسوبية»، متابعاً: «هذا على مستوى الانتدابات والوظائف، أما على مستوى الاستثمار فقد أدت العوامل الأمنية المتردية وظهور الجماعات الإرهابية في تونس دوراً فعالاً في تغيير وجهة المستثمرين وعزوفهم عن السوق التونسية».