رام الله | بين ليلة وضحاها صارت نقابة العاملين في الوظيفة العمومية، في الضفة المحتلة، «هيئة غير شرعية» لدى السلطة الفلسطينية، مع أن الحكومات المتعاقبة التي رئسها كل من سلام فياض ورامي الحمدالله عقدت مع تلك النقابة اجتماعات واتفاقات عديدة. «حرب داخلية» شنتها حكومة الحمدالله (الوفاق) على النقابة بمساندة مراسيم رئاسية منذ أسبوع مضى، ووصلت حدّ أن العضوية في نقابة العاملين صارت تهمة تودي بأعضائها إلى الاعتقال.


وضمّ سجن بيتونيا المركزي بين جدرانه رئيس نقابة العاملين بسام زكارنة، ونائبه معين عنساوي، لأسبوع قبل الإفراج عنهما مساء أمس، فيما يحتجز الأمن الوقائي عضو النقابة محمد حسين (حتى كتابة التقرير)، وذلك في وقت قرر فيه مجلس الوزراء تشكيل لجنة قانونية لإعداد مشروع قانون النقابات من جديد بما يشمل نقابة العاملين، لكن كيف صارت النقابة، التي قيل أنها أُلفت في رام الله لمضايقة حركة «حماس» خلال عهد الحكومة العاشرة (حكومة الوحدة)، عدواً لدوداً لرئيس السلطة محمود عباس، ورئيس حكومته رامي الحمدالله؟
فجر أمس، صدرت مذكرة رئاسية باعتقال الأمين العام للمجلس التشريعي، إبراهيم خريشة، الذي كان يتحدث في اعتصام داخل المجلس مهاجما رئيس الوزراء وسياساته، وهو ما حوّل القضية إلى أكبر من حديث رأي عام، ولا سيما في ظل صدور مذكرات من عباس مباشرة، ولاحقاً عقدت الكتل البرلمانية في «التشريعي» اجتماعاً للاحتجاج على أمر استدعاء خريشة واستمرار اعتقال النقابيين.

أفرج عن رئيس النقابة ونائبه بعد تدهور وضعهما الصحي خلال أسبوع من الاعتقال

وقالت عضو المكتب السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» والنائب في المجلس عن الجبهة، خالدة جرار، إن خريشة بقي داخل مقر المجلس مع المعتصمين فيه، مضيفة أن قوات الشرطة ذهبت إلى منزله فور صدور الاستدعاء، «ثم حضرت إلى مقر التشريعي لكنها لم تدخله». ورأت جرار، في حديث مع «الأخبار»، أن اعتقال النقابيين واستدعاء خريشة «يمسّ حرية الرأي والتعبير والتنظيم النقابي».
وتعود أصول القصة إلى أن محكمة صلح رام الله ردّت مطلع هذا الشهر دعوى قدمها وزير العمل الفلسطيني السابق، أحمد مجدلاني، ضد رئيس نقابة الموظفين، بسام زكارنة، وهو نفسه يشغل عضوية المجلس الثوري لحركة «فتح»، لكن المحكمة ردت الدعوى على أساس أنها لم تستوف شروط القضية، علما بأن زكارنة دعا العاملين إلى الإضراب أكثر من مرة في أوقات محاكمته.
بعد ذلك، أشيع أن مجدلاني ضغط على محمود عباس لأخذ قرارات ضد النقابة، وفعلا جرت الاستدعاءات المتلاحقة والتوقيفات أولا بزكارنة وعنساوي، وما جعل المواجهة تنتقل إلى ساحة الحكومة أن سبع نقابات هي (اتحاد المعلمين، والأطباء، والعاملين في الجامعات والكليات الحكومية، والصيادلة، وأطباء الأسنان، والوظيفة العمومية، والمهن الصحية)، أصدرت بيانا رفضت فيه قرار «التوافق» القاضي بحسم أيام العمل من حساب رواتب الموظفين الذين أضربوا عن الدوام في الثلاثين من تشرين الأول الماضي.
مباشرة، أصدرت رئاسة السلطة مرسوما قالت فيه إن نقابة العاملين في الوظيفة العمومية ليست جسماً قانونياً ولم تنشأ بأي مسوغ قانوني على الإطلاق، «لذلك لا وجود لها من الناحية القانونية». وجاء في البيان «أن الرئيس الفلسطيني اعتمد هذه المذكرة وأصدر توجيهاته بتنفيذ مضمونها، وان عدم الالتزام بما جاء فيها أدى إلى استمرار حالة الخلل ومخالفة القانون وتعطيل مرافق الدولة والإضرار بمصالح الوطن والمواطنين».
وبمجرد أن عقد رئيس اتحاد النقابات الصحية والتمريض، أسامة النجار، اجتماعا عاجلا لبحث تطورات اعتقال زكارنة وعنساوي، جرى توقيفه حتى أفرج عنه بعد أقل من 24 ساعة. وبينما آثر زكانة وعنساوي تسليم نفسيهما للشرطة يوم الخميس الماضي، فإن معلومات غير مؤكدة تحدثت عن تعرض الأول لاعتداء جسدي، فيما بادر الأمن الوقائي إلى اعتقال محمد حسين بعد يومين من دون مذكرة تبليغ أو سابق إنذار، كما أفاد أمجد حسين لـ«الأخبار». وأوضح أمجد أنه جرى استدعاء نسبة كبيرة من الأعضاء في النقابة، ثم أُفرج عنهم عدا شقيقه، مؤكداً أنهم تواصلوا مع قادة في «فتح» لكنهم جميعا قالوا إن شقيقه «معتقل على ذمة الرئيس» ولا يستطيعون التدخل.
من الناحية القانونية، ذكر محامي نقابة العاملين، معتصم العواودة، أن التهم التي وجهت إلى زكارنة جاءت ضمن مواد تتحدث عن «الانضمام إلى جمعيات غير مشروعة، والتهاون الوظيفي، ورفض تنفيذ قرارات المحاكم»، لكن زكارنة «التزم الصمت عن الإجابة على التهم». ودافع العواودة، في حديث مع «الأخبار»، عن موكليه قائلا إن الأوراق والمستندات التي بحوزتهم تثبت أن النقابة موجودة منذ عام 2005 ومثلت القطاع الوظيفي داخل وخارج الوطن، «ولها مراسلات شخصية مع الرئيس وكل الدوائر الرسمية وغير الرسمية، وهو ما يؤكد شرعيتها، لكن النيابة العامة رفضت كل ذلك»، مشيرا إلى أنهم ينتظرون قرار محكمة العدل العليا التي ستبت في كون النقابة جهة شرعية أم لا، «لأن الرئاسة لا تملك الصلاحية في إقرار ذلك».
وأصدرت عدة جهات حقوقية فلسطينية بيانات تدين فيها اعتبار النقابة هيئة غير شرعية وتوقيف النقابيين الثلاثة، وخاصة بعد تدهور الوضع الصحي لرئيس النقابة ونائبه. وقال المحامي أشرف أبو حية، من مؤسسة «الحق» إنه برغم توقيف النقابيين الثلاثة بطريقة قانونية، فإن «إجراءات التوقيف الأولي كانت غير قانونية، ولم تأت وفق مذكرة صادرة عن القضاء». وذكّر أبو حية، في حديث لـ«الأخبار»، بأن فلسطين صارت مؤخرا جزءاً من الاتفاقات الدولية وبالأخص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الذي أصبح نافذاً ويؤكد الحق في الإضراب وممارسة العمل النقابي، «وهذا يضيف إطاراً شرعياً على زكارنة وعنساوي».
تعقيباً على كل ما سبق، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح، عبد الستار قاسم، إن قضية اعتقال النقابيين «مشكلة داخلية فتحاوية»، مضيفاً أن «النقابات كانت تعمل بصورة طبيعية، لكنها عندما بدأت تنتقد أداء السلطة وخاصة أساليب الصرف المالي، ازدادت حدة الخلافات وجاء قرار اعتبارها غير شرعية». وأوضح قاسم لـ«الأخبار» أن رئاسة السلطة تتعامل «بالمزاجية» لأنه «ما من قانون واضح يحكم العلاقة بين الناس والمؤسسات، فعندما انتقد بسام زكارنة السلطة، اعتقل وعندما انتقد هذا الاعتقال إبراهيم خريشة جرى استدعاؤه أيضاً»، متسائلاً في الوقت نفسه: «كيف كانت هذه النقابات قانونية عندما انتقدت حكومة حماس، ثم صارت غير قانونية عندما انتقدت السلطة؟». لكنه رأى أن هذه القضية ستنتهي «بالطبطبة واللملمة» دون أن يعلم أحد كيف جرى ذلك «مثلها مثل قضايا كثيرة كفضائح الفساد في السلطة».
يشار إلى أن مجلس الوزراء الفلسطيني قرر في جلسته الأسبوعية تشكيل لجنة قانونية لإعداد مشروع قانون النقابات، وبعد القرار بيوم اعتقل أيضاً ممثل الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين في نقابة الموظفين، زاهي سوالمة، وسرعان ما طالبت الجبهة بالإفراج عنه.