القاهرة | ربما لم يكن أكثر المتشائمين من تصاعد حدة الخلاف السياسي بين القاهرة وأنقرة، على خلفية إطاحة نظام جماعة الأخوان المسلمين، ليتوقع أن يصل ذلك إلى درجة التهديد بصدام عسكري في البحر الأبيض المتوسط.


الإشارات الأولى لتفاقم الاشتباك انطلقت يوم السبت الماضي، حين دعت مصر واليونان وقبرص، تركيا الى وقف «جميع أعمال المسح الزلزالي الجارية في المناطق البحرية لقبرص»، في وقت اتهم فيه الرئيس القبرصي، نيكوس اناستاسيادس، أنقرة بالقيام بـ«أعمال استفزازية» من شأنها عرقلة مفاوضات إعادة توحيد الجزيرة المتوسطية المقسمة.
ودعا الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، والرئيس القبرصي، نيكوس أناستاسيادس، ورئيس الوزراء اليوناني، أنتونيس ساماراس، تركيا إلى وقف كافة أنشطتها، في بيان ثلاثي أعقب قمة لهم في قصر الاتحادية الرئاسي في القاهرة. وأكدت مصر واليونان وقبرص، في البيان الصادر تحت عنوان «إعلان القاهرة»، احترام الحقوق «السيادية وولاية جمهورية قبرص على منطقتها الاقتصادية الخالصة».
ودعت الدول الثلاث إلى «تسوية عادلة وشاملة ودائمة للمشكلة القبرصية، توحّد الجزيرة وفقاً للقانون الدولي»، وهو ما قالت الدول الثلاث إنه «سيُسهم بنحو ملموس أيضاً في تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة».
عموماً، عبّر «إعلان القاهرة» في ثناياه عن «العداء» الثلاثي للنظام التركي، وعن خلاف الرؤساء الثلاثة مع الرئيس رجب طيب أردوغان.
وبعد ساعات على انتهاء الاجتماع، تناقلت وسائل الإعلام المصرية كلاماً خطيراً لقائد القوات البحرية التركية، الأميرال بولينت بستان أوغلو، أعلن فيه، على هامش التدريبات البحرية التركية «الحوت الأزرق»، أنهم سيطبّقون قواعد الاشتباك الكامل إذا وجدت السفن التركية سفناً حربية في منطقة شرق المتوسط الغنية بالبترول.
وجاءت تصريحات القائد التركي على الرغم من أن جزءاً كبيراً من هذه المنطقة يقع ضمن الحدود البحرية الدولية، في وقت يخفي حديثه إعلان حرب واضح على الدول التي قد تتبع لها السفن.
وأطلقت وسائل الإعلام المصرية حملة مناهضة للحكومة التركية مجدداً، فيما تصاعدت حدة دعوات مقاطعة السياحة في إسطنبول، التي جذبت شريحة كبيرة من المصريين خلال السنوات الماضية، علماً بأن القوات المسلحة المصرية التزمت الصمت على الصعيد الرسمي.
مصدر رفيع في وزارة الخارجية المصرية قال لـ«الأخبار» إن بلاده «تنظر إلى هذه التصريحات ضمن استمرار التصريحات الاستفزازية التي تصدر عن المسؤولين الأتراك وتعبّر عن التوجه الشاذ لنظام الرئيس التركي واستمرار معادته لإرادة الشعب المصري»، مشيراً إلى أن «القوات البحرية ستتصدى لأي اعتداء تتعرض له عمليات استكشاف البترول في المياه الدولية بعد انتهاء الاتفاقات والدراسات بين الدول الثلاث».
وأضاف المصدر أنه «في الوقت الذي تقوم فيه الدول بمحاولة تجنب النزاعات التي اثبتت أنها تهدر موارد الدول وتستنزف قوتها البشرية والمادية، إلا أن الرئيس التركي يريد تعقيد الوضع في المنطقة بتصريحات استفزازية»، مشيراً إلى أن
«المؤسسة العسكرية المصرية طلبت التريث في الرد على هذه التهديدات».
وأضاف أن إطلاق هذه التصريحات جاء بسبب شعور النظام التركي بالعزلة عن دول الجوار، متوقعاً أن يقتصر الأمر على التصريحات العسكرية دون القيام بأي خطوات فعلية على أرض الواقع، خاصة أن المبادرة بالاعتداء على منشآت تابعة لأي دولة سيكون له عواقب وخيمة على تركيا.
أما رئيس هيئة استطلاع القوات البحرية الأسبق اللواء يسري قنديل، فقد قال لـ«الأخبار» إن الإعلان التركي جاء مخالفاً لكافة المواثيق والمعاهدات الدولية، ولا يمكن التعامل معه باعتباره أمراً واقعاً، مشيراً إلى أن القوات البحرية المصرية ملتزمة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
وأضاف قنديل أن تركيا تجاهلت اللجوء إلى الأمم المتحدة لحل ما تراه نزاعاً بينها وبين دول حوض البحر المتوسط، مفضلة، برأيه، الحديث عن الحل العسكري أولاً «وهو أمر يعكس عدم احترام قياداتها السياسية للقانون الدولي ويؤكد أنها ليست صاحبة حق في ما تقوم به، ولكن تحاول فرض سياسة الأمر الواقع».
واتفق معه في الرأي الخبير العسكري، اللواء أحمد عبد الكريم، الذي أكد محاولة فرض الحكومة التركية سياسة الأمر الواقع. ورأى أن باقي دول البحر المتوسط لن تقبل بهذا الأسلوب، خاصة أن إعلان التصريح أتى بعد القمة الثلاثية في القاهرة، وهو يعبّر عن استهداف للدول الثلاث.