تشهد إسرائيل حراكاً حكومياً وأمنياً وسياسياً كأنها تخوض مواجهة عسكرية كبيرة، وتظلِّل هذا الحراك مواقفُ يطلقها قادة العدو، كلها تستند إلى هدف محدَّد هو إخضاع الجمهور الفلسطيني في أراضي الـ48. وبرغم أن الأداء الإسرائيلي كان ينبغي أن يكون مضبوطا حتى يحقق هدفه (الردع)، ولا يتسبب في اتساع نطاق المواجهات عبر المزيد من الاستفزازات والقمع، يلاحظ أن غالبية الخطوات الإسرائيلية ترمي إلى الحرص على تدفيع القاعدة الشعبية الفلسطينية أثمانا مؤلمة.

ومن ضمن تلك الأهداف كيّ وعي الجمهور الفلسطيني، ومنع تسلل الثقة الزائدة إلى نفوسهم بشأن جدوى الحراك الشعبي في تحقيق مطالبهم المتواضعة، لذلك يبدو أن تفسير الجنوح نحو حد الردع على حساب الدفع نحو انزلاق المواجهة، يعود إلى أن إسرائيل تراهن على ضمان «عدم تجاوز الحد المقابل» بالعودة إلى أداء قيادات سياسية فلسطينية مسكونة بمعادلات من قبيل أن موازين القوى لا تسمح بالذهاب بعيدا في الرهان على الحراك الشعبي.
تؤخذ في الاعتبار، أيضاً، القناعة الإسرائيلية بأن سابقة الحرب على غزة قد تكون أفهمت الجمهور الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة أن عليه الابتعاد عن الرهان على هبة شعبية واسعة في أراضي فلسطين التاريخية، فضلا عن حقيقة أن أولويات العالم العربي لا تزال في اتجاه آخر، بل الأسوأ أن مواقف إسرائيلية رسمية كشفت أن قيادات فلسطينية وعربية تعمل على احتواء الحراك الشعبي الفلسطيني، وذلك في موازاة سياسة القمع الإسرائيلية.

تل أبيب: دول عربية تساهم في وقف «التحريض» لأنها «لا تريد اشتعال المنطقة»

هكذا تجد إسرائيل أن هامشها في استخدام أساليب القمع واسع جدا في مواجهة الجمهور الفلسطيني، فيما تتكفل عوامل وجهات أخرى بالعمل على كبح عملية الانزلاق نحو سيناريوهات أكثر إرعاباً للإسرائيلي كنشوب انتفاضة فلسطينية شاملة.
ضمن استراتيجية الردع التي تبرر اللجوء إلى كل الأساليب، أصدر رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، تعليماته بتسريع هدم منازل منفذي العمليات التي جرت في تل أبيب و«غوش عتسيون» وأدت إلى مقتل جندي ومستوطنة، كما أصدر، خلال جلسة للمجلس الوزاري المصغر، أوامر بتعزيز قوات الأمن الإسرائيلية ميدانيا، علما بأنه شارك في الجلسة وزير الجيش موشيه يعلون، ووزير الأمن الداخلي يتسحاق اهارونوفيتش، ورئيس أركان الجيش بيني غانتس، ورئيس «الشاباك» يورام كوهين، إضافة إلى المستشار القضائي يهودا فاينشطاين، والأخير جاهز لإضفاء طابع قانوني على كل عمل قمعي تتخذه الجهات الرسمية.
ومن اول تعليمات المستوى السياسي التي جرى تنفيذها أن جيش الاحتلال عزز قواته بأكثر من ألف جندي في الضفة المحتلة، بينهم 500 جندي تقريبا كانوا يشاركون في تدريب عسكري في مرتفعات الجولان، ونقل معهم وحدة «إيغوز» وكتيبة أخرى.
في أعقاب انتهاء جلسة تقدير الوضع، رأى يعلون أن إسرائيل تشهد الآن «الذروة في التصعيد الذي بدأ قبل عدة أسابيع بأحداث» في الحرم القدسي، ثم «تمدد إلى القدس، ثم إلى الضفة، وأيضا إلى أماكن أخرى في إسرائيل بما فيها، للأسف، وسط عرب إسرائيل». وبينما حذر من إمكانية التصعيد الأمني ضد الفلسطينيين، أكد وزير الجيش «أننا لن نسمح للتصعيد بأن يتطور».
مع ذلك، أوضح يعلون أن إسرائيل مضطرة إلى «الاستعداد لاحتمال التصعيد، لذلك فإننا نعزز قواتنا في الضفة من أجل ان يكون حضورنا أكبر». وعن دور السلطة الفلسطينية، أقر بأنها «تعمل في الشارع من أجل تهدئة الأجواء»، مستدركاً: «تصريحات عديدة من ضمنها تلك التي يطلقها رئيس السلطة (محمود عباس) تؤدي إلى الأعمال القاسية»، في إشارة إلى العمليات الفردية التي نفذت مؤخراً ضد أهداف إسرائيلية. هنا، اعترف يعلون بأن من الصعب وقف شخص قرر وحده تنفيذ عملية، مشيرا إلى أن التوتر الامني الشديد «ليس انتفاضة جديدة»، وأنه «يجب انتظار التطورات قبل أن نضع التعريفات». وتابع قائلاً: «ننفذ اعتقالات واسعة أكثر من الماضي، وسنستخدم قبضة حديدية ضد منفذي العمليات بما في ذلك هدم بيوت (المقاومين) من أجل وقف هذه الموجة»، كما لفت إلى أن فرضية العمل لدى المؤسسة الأمنية هي توقع المزيد من العمليات، رابطاً ذلك بما سماه «أجواء التحريض والتصعيد».
في سياق مساعي «التهدئة» نفسها، فإنه يضاف إلى ما كشفه يعلون عن جهود السلطة الفلسطينية، ما أدلى به رئيس الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الجيش، اللواء عاموس جلعاد، الذي أكد أن دولاً عربية تدخّلت لوقف «التحريض» على التظاهر في القدس والمسجد الأقصى. وذكر جلعاد أن جهود الدول العربية التي تدخّلت «استجابة لتحرك ديبلوماسي إسرائيلي أدت إلى نتائج إيجابية»، زاعمًا أن «مستوى التحريض قد تراجع».
وشدد جلعاد على أن جهود الدول العربية «تتكامل مع العمليات التي أقدمت عليها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية»، ولا سيما عمليات الاعتقال والإبعاد عن المسجد الأقصى وتدمير المنازل وغيرها. وعندما طلب الصحافي الذي أجرى المقابلة معه الكشف عن هوية الدول العربية، رد بأنه «لا يمكن لمسؤول إسرائيلي أن يقدم على أي خطوة تحرج الدول العربية التي تهب لمساعدة إسرائيل»، معيداً التشديد على أن دول الإقليم العربية غير معنية بإشعال الأوضاع في المنطقة، وهذا «الذي يفسر حماستها لوقف ما يحدث».
من جهة أخرى، دعا رئيس «اللجنة الوزارية لشؤون الأقليات» في إسرائيل، يعقوب بيري، الجمهور الفلسطيني، إلى تهدئة الأجواء. وقال بيري، في محاولة لامتصاص غضب الفلسطينيين، إن «تصريحات نتنياهو غير ملائمة من جهة المضمون أو التوقيت».
على جهة مقابلة، رأى رئيس حزب «كديما»، شاؤول موفاز، الذي كان مسؤولاً عن قمع انتفاضة الأقصى الثانية (2000)، أن من المهم «شن عمليات استباقية في الضفة للوصول إلى منفذي العمليات في عقر دارهم». وأكد موفاز أن «الحكومة (الإسرائيلية) ليس في نيتها التوصل إلى تسوية سياسية، وليس أمامها سوى الجانب الأمني والوصول إليهم قبل أن يصلوا إلينا».