إسطنبول | بعد ٤٥ يوماً من حصار «داعش» مدينة عين العرب (كوباني) في سوريا، وافق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على مرور عناصر ومساعدات البيشمركة الكردية العراقية من الأراضي التركية إلى مقاتلي حزب «الاتحاد الديموقراطي» السوري الذين قال عنهم، منذ البداية، إنهم إرهابيون، حالهم حال مسلّحي حزب «العمال الكردستاني» التركي.


فمنذ بدء واشنطن وحلفائها بضرب «داعش» قرب عين العرب، سعى أردوغان إلى إقناع الرئيس الأميركي باراك أوباما بضرورة العمل المشترك للتخلص من الرئيس السوري بشار الأسد و«داعش» معاً، الأمر الذي يتطلب إقامة حزام أمني ومنطقة حظر جوي شمالي سوريا، كما فعل الرئيس الأسبق جورج بوش الأب في شمالي العراق، في ربيع عام ١٩٩١، بعد هزيمة الجيش العراقي في الكويت. وهو ما تشجع له، حينها، الرئيس التركي الراحل تورغوت أوزال بعدما عبّر له الزعيمان الكرديان جلال طالباني ومسعود البرازاني عن استعداد الأكراد لرفع العلم التركي، في حال وُضع الشمال العراقي تحت الحماية التركية بالتنسيق والتعاون مع واشنطن.
يبدو أن أردوغان، الذي يسيطر على المؤسسة العسكرية، يريد الآن أن يعوّض ما لم يستطع أوزال تحقيقه في ضم الشمال العراقي إلى تركيا، ولكن هذه المرة بضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد.
فهو يسعى لكسب ودّ الأكراد العراقيين، بالتحالف معهم في حربه ضد السياسيين العراقيين المدعومين من إيران. كذلك يخطط، من خلال اتفاقه مع حزب «العمال الكردستاني» بزعامة عبدالله أوجلان، لحلّ المشكلة الكردية في تركيا، سياسياً وسلمياً، بهدف كسب أكراد سوريا الموالين لأوجلان، في حربه ضد الرئيس بشار الأسد، وبالتالي ربط المنطقة الكردية السورية اقتصادياً بتركيا، في حال أعلن الأكراد الحكم الذاتي أو أقاموا كياناً فدرالياً في سوريا، قبل أو بعد حلّ المشكلة السورية، كما فعل بول بريمر خلال صياغة الدستور العراقي الفدرالي.
أما الحساب الثالث بالنسبة إلى أردوغان، فهو وضع المناطق الكردية الفدرالية العراقية والسورية ولاحقاً الإيرانية، الغنية بمصادر الطاقة النفطيّة والغازية والمائية (دجلة والفرات بكل فروعها وروافدها)، تحت الحماية والوصاية التركية، ضامناً في الوقت ذاته عدم انفصال أكراد تركيا عن الوطن الأم، في حال فكّر الغرب في إعادة رسم خريطة المنطقة، في الذكرى المئوية لاتفاقية سيفر عام ١٩٢٠، التي اعترفت آنذاك بدولة كردية في المنطقة.
ولكن الجميع يعرف أنّ حسابات أردوغان هذه لا ولن تكون سهلة بسبب تعقيدات الوضع الإقليمي، حيث إن لكل دولة حساباتها الخاصة المتعددة الأوراق، بكل تفاعلاتها المباشرة وغير المباشرة، وخصوصاً في ما يتعلّق بالشأن الكردي. هذا بالطبع إذا تجاهلنا مسبقاً أي رغبة كردية قومية في الانفصال تماماً عن دول المنطقة، باستفزاز ودعم أميركي وأوروبي وإسرائيلي.
ففي مقابل ذلك، قد يسعى أردوغان إلى التصدي لهذه الرغبة، عبر استفزاز مشاعر المنافسة والعداء بين عبدالله أوجلان ورئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، اللذين يسعى كل منهما إلى أن يكون زعيماً للأمة الكردية إقليمياً.
وهذا الأمر يفسر موافقة أردوغان على مرور البيشمركة الكردية العراقية من الأراضي التركية، ولو بشيء من التأخير. فكأنه أراد أن يقول لأكراد سوريا إن مصيرهم مرهون بقراره الشخصي، مشترطاً في المقابل دخول حوالى ١٠٠ من مسلّحي «الجيش السوري الحر» الموالي لتركيا إلى عين العرب.
وإذا اقتنع أردوغان بأن ثروات الشمال السوري النفطية ستدعم المخططات الاقتصادية التركية، خلال المرحلة المقبلة، فقد دعمت الثروات الاقتصادية الكردية العراقية الغنية الاقتصاد التركي، طيلة السنوات العشرين الماضية، بعدما سيطر رجال الأعمال والمقاولون الأتراك على التجارة وحركة البناء بأكملها في الشمال العراقي المجاور لجنوبي شرقي تركيا. فقد انتعش اقتصاد هذه المنطقة بفضل هذه المشاريع التي ساهمت في تحقيق المزيد من العلاقات الشخصية الاستراتيجية بين مسعود البرزاني ورجب طيب أردوغان، المبنية على المصالح الشخصية، بحسب العديد من المتابعين للشأن الكردي في تركيا والعراق معاً.
ولكن في موازاة ذلك، فقد وصلت تركيا، طيلة هذه الفترة، إلى ما وصلت إليه من وضع سياسي معقّد وخطير على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية، التي لم يبال بها المواطن التركي سابقاً، بعدما حقّق له أردوغان حالة اقتصادية مستقرة، بفضل البراغماتية التي ساعدته على تحقيق النجاحات على هذا الصعيد. فقام ببيع جميع ممتلكات القطاع الحكومي للرأسمال الأجنبي الذي يسيطر الآن على حوالى ٧٠٪ من قطاع المصارف والأسواق المالية، ما ساهم في تحويل تركيا إلى مركز رئيسي لغسل الأموال العربية والإيرانية والروسية وغيرها، بحسب تقارير أوروبية وأميركية.
وتشير هذه التقارير، في الوقت نفسه، إلى قضايا الفساد الخطيرة التي طالت أردوغان وأولاده ووزراءه، كما تتوقع للرئيس التركي مستقبلاً قاتماً، في حال استمر في حساباته الشخصية التي تتناقض مع حسابات واشنطن والعواصم الغربية. فمن المتوقع أن تتخلى عنه، كما تخلت في الماضي عن الشاه في إيران وصدام حسين في العراق وحسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس وعلي عبدالله صالح في اليمن، وقبلهم جميعاً عن رئيس الوزراء التركي عدنان مندريس، قبل انقلاب ستينيات القرن الماضي. فحتى لو كانت حالة كل واحد منهم مختلفة عن الآخر، إلا أن المصير الذي يجمعهم هو الذي قرره الأميركيون، بشكل أو بآخر.




حذر مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي)، أمس، من أنّ الولايات المتحدة تواجه عدداً متزايداً من المواطنين الأميركيين الذي أصبحوا متطرفين عبر الإنترنت، ويستمدون الإلهام من «الجهاديين» في سوريا لشنّ أعمال عنف في البلاد.
وقال مدير الـ«أف بي آي» جيمس كومي، في «مؤتمر لمكافحة الإرهاب» في كلية «فوردهام للحقوق»، إنّ «هؤلاء الأشخاص يصبحون متطرفين بواسطة الدعاية على الإنترنت ومن دون لقاء أي شخص من القاعدة، وهم مجهزون للجهاد بطريقتهم من دون أن يغادروا غرفهم».
(أ ف ب)