تونس | أكثر من 12 ألف ملاحظ (مراقب) من المجتمع المدني المحلي، إضافة إلى أكثر من خمسة آلاف ملاحظ عن الأحزاب والمنظمات الدولية، كانوا قد انتشروا في مختلف مراكز الاقتراع في كل المحافظات التونسية، وراقبوا عملية الاقتراع والفرز. وقد قدمت أمس كل من "جمعية عتيد" و"شبكة مراقبون" وعدد من المنظمات الدولية، على غرار بعثة الاتحاد الأوروبي، تقاريرها وملاحظاتها الأولية.


وفي وقت تم فيه رصد مخالفات وخروقات عديدة بحسب تلك الملاحظات، وصف بعضها بـ"الخطير"، فإن شبه إجماع قد حصل حول أنّ الانتخابات التونسية مرّت بسلام، وكانت نسبة النزاهة فيها عالية.
تونس استطاعت أن تتجاوز، بشهادة الجميع، الرهان الأمني في إنجاز انتخاباتها الثانية بعد انتخابات عام 2011، رغم المخاوف التي أحدقت بها، والتوجّس من إفساد هذه التجربة الحاسمة من خلال التهديدات الإرهابية، وقد كان رهانها الثاني أن يُشهد لها بالنزاهة والشفافية أيضاً، ويبدو، مبدئياً، أنها قد كسبت هذا الرهان أيضاً رغم الهنات والمخالفات.
عمل على مراقبة الانتخابات التونسية 17 ألفاً و338 ملاحظاً ومراقباً، من بينهم 559 ملاحظاً أجنبياً و12626 ملاحظاً من الجمعيات المدنية المحلية، من بينهم 5221 ملاحظاً من "شبكة مراقبون" المحلية، و3042 ملاحظاً من الجمعية التونسية من أجل نزاهة وديمقراطية الانتخابات "عتيد". ولقد رصدت الجمعيتان مئات الخروقات والتجاوزات التي ارتكبتها الأحزاب، والتي تركزت أساساً في مواصلة الحملات الانتخابية يوم الاقتراع من طرف ممثلين عن القائمات المرشّحة، سواءً أمام مراكز الاقتراع أو حتى داخلها، ومحاولة بعض الأطراف السياسية شراء الأصوات. كذلك تمّ اتهام عدد من رؤساء وأعضاء مكاتب الاقتراع بعدم الكفاءة أو النزاهة، من خلال تعمّد بعضهم توجيه الناخبين، والتأثير فيهم، حسب ما أكدته هذه المنظمات. وأيضاً، شهدت بعض مراكز الاقتراع تعطيلاً لعملية الفرز، أو تأخيراً لها بسبب غياب أدوات الاقتراع، أو لدواع أمنية. كلّ هذه التجاوزات ستشير إليها الجمعيات التي عنيت بالمراقبة في تقاريرها النهائية التي ستنشر بعد أسابيع. لكن لا يمكن القول إنّ هذه التجاوزات تؤثر بشكل مباشر أو خطير في نتائج الاقتراع، وبعضها قد يسقط عدداً من القوائم المرشّحة، في حال ثبتت عليها المخالفات أو الجرائم الانتخابية، في حين ستكلف أخرى أصحابها غرامات مالية ثقيلة.
ولئن كانت مراقبة الانتخابات جديدة ضمن المشهد التونسي، فإن عدداً من الجمعيات نجحت في أن تتخذ مكانة في مجال المراقبة والملاحظة، وأن يصبح بعضها مرجعاً في هذا المجال، خاصة أن هذه الجمعيات قد تكاتفت سابقاً من أجل الضغط على السلطة التشريعية لفرض عدد من النقاط في قانون الانتخاب، والتحذير من فراغات قانونية أخرى، كما ضغطت بشدة، خلال مناقشات تنصيب هيئة مستقلة للانتخابات، من أجل ألّا يكون اختيار الرئيس والأعضاء اعتماداً على المحاصصة الحزبية.
ولقد سجّلت بعض هذه المنظمات تطوراً كبيراً في مجال المراقبة هذا، واستطاعت غالبيتها تجاوز الأخطاء ونقاط الضعف التي وقعت خلال تجربتها الأولى عام 2011. وكان الجديد واللافت في هذا المجال هو نجاح "شبكة مراقبون" في اعتماد تقنية الفرز السريع كطريقة أولى من نوعها في بلدان شمالي أفريقيا. ويقدّم رفيق الحلواني، وهو المنسّق العام لـ"شبكة مراقبون"، تقنية الفرز السريع للأصوات بقوله "تتمثل التقنية التي يمكن تسميتها بالجدولة الموازية للأصوات (PVT) في عملية منظمة ودقيقة تمّ تدريب ملاحظي (مراقبي) الشبكة عليها خلال أشهر، ويمكن أن نختزلها في قيام الشبكة بنشر كل مراقبيها على 1001 مكتب اقتراع تمّ اختيارهم بطريقة علمية ومن خلال إحصائية دقيقة، وتتمثل مهمّة الملاحظين في الحضور منذ الساعات الأولى ليوم الاقتراع في هذه المكاتب، من أجل رصد كامل العملية الانتخابية، وفحص الجوانب الحاسمة من عمليتي الاقتراع والفرز في مراكز الاقتراع المحددة، إلى أن يتمّ جمع الأصوات والحصول على النتائج الجزئية، ويقوم كل ملاحظ بالإبلاغ عن نقاط القوة والمخالفات التي تؤثر في العملية الانتخابية، من خلال الإجابة عن أسئلة دقيقة ومحددة تدرّب عليها، ويتمّ إرسال التقارير بسرعة عن طريق الإرساليات القصيرة المشفرة، إلى مركز تجميع البيانات الذي يتكون أساساً من حاسوب مركزي يقوم بتحليل المعلومات، وتأكيد وصولها بشكل صحيح من خلال منظومة إعلامية محدّدة تعالج الإرساليات، وتدخل الصحيحة منها في قاعدة البيانات، إضافة إلى مركز نداء مهمته تجميع المعلومات، ومتابعة عمل الملاحظين والاتصال بمن لم يتمكّن منهم من إرسال إرسالياتهم بشكل صحيح لجمع البيانات هاتفياً". ويضيف أنه في آخر العملية يقوم "الفريق المركزي للشبكة بتحليل البيانات، ومراقبة نتيجة التقارير المنجزة، وإعلانها في نقاط إعلامية متفرقة خلال يوم الاقتراع، لإعلام جميع الأطراف المعنية، والرأي العام بسير عملية الانتخاب". وقد نجحت الشبكة في هذا المشروع من خلال نشرها، أول من أمس، لعدد من النسب والنتائج، التي تبدو متقاربة مع الواقع، كما أعلن نبيل بافون، عضو الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، في تصريح صحافي أكّد فيه أنّ هذه هي النتائج، مع التشديد على كونها غير رسمية.
وقد ظهر نتيجة هذه التقنية، التي تعتبر تجربة أولى، فوز "نداء تونس" بنسبة 37,1 في المئة من الأصوات، وتمكنت "حركة النهضة" من حصد 27,9 في المئة من الأصوات، وحصول "الاتحاد الوطني الحر"، لرئيسه سليم الرياحي (رجل أعمال)، على 4,4 في المئة من الأصوات، و3,7 في المئة لـ"الجبهة الشعبية" و1,6 في المئة لـ"الحزب الجمهوري" و1,1 في المئة من الأصوات لـ"تيار المحبة" (رئيسه الهاشمي الحامدي) و2 في المئة لكلّ من "حزب المؤتمر من أجل الجمهورية" و"التيار الديموقراطي". وهذه الأحزاب هي الأحزاب التي اختارتها الشبكة منذ البداية كنموذج للعمل دون غيرها من الأحزاب، التي سيكون من المستحيل حصرها جميعاً.
ويؤكد المراقبون أنّ هذه النتائج هي نتائج تقريبية لا غير، وليست رسمية بأيّ حال، ويضيف الحلواني "حين نجحنا في تطبيق الجدولة الموازية للأصوات بشكل صحيح، فإننا تمكنّا من الحدّ من الريبة والتشكيك في سلامة البيئة الانتخابية، من خلال توفيرها لتحليل شامل لنتائج ملاحظة العملية الانتخابية، كما تكشف كلّ محاولة للتلاعب بالأصوات، وتسلط الضوء على مشاكل العملية الانتخابية ومواطن تعثرها، وتتيح إيجاد حلول للطعون الانتخابية بطريقة سلمية، ما يقلل من خطر النزاعات السياسية".
ومن جهتهم، أشاد مراقبو الاتحاد الأوروبي بالانتخابات التشريعية التي أجريت في تونس، ووصفوها بـ"الشفافة" و"ذات المصداقية". وقالت بعثة مراقبي الاتحاد، في مؤتمر صحافي، إنّ "الحملة الانتخابية جرت على نطاق واسع بهدوء. وتمكنت القوائم الانتخابية المرشّحة من تقديم برامجها بحريّة، وقد احترمت عموماً معايير الحملة الانتخابية"، وشدّدت على أن "الشعب التونسي عزّز التزامه الديموقراطي بفضل انتخابات شفافة وذات مصداقيّة، مكّنت التونسيين، من مختلف الحساسيات السياسية، من التصويت بحريّة لمجلس تشريعي، وفقاً لأوّل دستور ديموقراطي في البلاد".