القاهرة | هل يقول المصريون قريباً «الإخوان هم الحل»؟ سؤال بات طرحه غير مستغربٍ من قبل بعض «المذهولين» من الأحداث التي طرأت أخيراً على المشهد السياسي والإعلامي في البلد، خصوصاً لجهة ما يعدونه تعديّاً على الحريات وعودة الفلول لتصدر هذا المشهد.

يتساءل محمد (25 عاماً) الذي يعمل في أحد المواقع الإلكترونية: «ماذا يعني استعداد أحمد عز للانتخابات البرلمانية؟».

ينطلق الشاب المصري من عودة أحد أكبر رجال أعمال الحزب الوطني المنحل، إلى الساحة السياسية، ليقول بمرارة: «ولا كأنه ثورة قامت، أو ناس ماتت»، ويضيف قائلاً إن قرار الدولة بحظر استيراد الحديد لمدة 200 يوم، يكون المستفيد الأول منه هو عز صاحب مصانع الحديد.
هذا التوجس، يعززه صراع بات علنياً، على مؤسسة الرئاسة بين جماعات النظام القديم وبين شركاء المؤسسة العسكرية في عملية إطاحة حكم «الإخوان المسلمين» من قوى سياسية محسوبة على «ثورة 25 يناير».

ممارسات السيسي تشجع المصريين على إعادة الإسلاميين

من جهتهم، لا يفوّت الإسلاميون فرصة للتفاعل مع المآسي التي تتعرّض لها غالبية المصريين. على سبيل المثال، تعقيباً على حادثة اضطرار سيدة مصرية إلى وضع مولودها في الشارع أمام مستشفى كفر الدوار «لعدم وجود مكان في المستشفى»، توجه المتحدث باسم المجلس الثوري المصري خالد الشريف، بالاعتذار لها، قائلاً إن «المرأة المصرية تعيش أتعس أيام حياتها في ظل الانقلاب العسكري، حيث أصبحت مهانة بدرجة كبيرة، وبلا قيمة ولا كرامة». وأضاف الشريف على موقع «فايسبوك»: «نيابة عن ملايين المصريين، أتقدم بالاعتذار لسيدة كفر الدوار، وأطالب نساء مصر بالصمود والثبات من أجل استرداد الثورة».
يستغل شبان من جماعة «الإخوان» تردي الأوضاع في البلاد، على مستويات عدة، ليبرهنوا أن عهد الرئيس المعزول محمد مرسي تعرّض لظلم من الناحية التقويمية. على سبيل المثال، يسخر محمود من تدني الخدمات، قائلاً: مرسي هو اللي بيقطع الكهرباء والمياه، ولسه بيصدّر النفط والغاز لإسرائيل، وكمان هو المسؤول عن غلاء الأسعار وسدّ النهضة... وكل ده بيعمله من داخل السجن».
ويضيف الشاب الإخواني، من حي المنيل في القاهرة، أن الحكاية باتت واضحة «زي الشمس»، هو انقلاب عسكري مدعوم من قوى سياسية ترفع شعارات الديموقراطية، ولكنها تدرك صعوبة وصولها للحكم من طريق صناديق الانتخابات، فقررت التآمر مع العسكر، مضيفاً أن «الأزمات لا تزال على حالها، ولا أحد يسمع صوت هؤلاء الآن».
ويؤكد محمود أن الإخوان غير مستعجلين، «سنتظاهر يومياً في حرب استنزاف طويلة، لدينا العزيمة والاصرار، ولن يكون هناك استقرار عبر استبعاد الإسلاميين من المشهد السياسي»، مضيفاً أن هذا العام سيشهد بكامله تظاهرات وتصعيداً، «في الوقت الذي سيظهر للناس فشل وبؤس النظام الحالي وانحيازه إلى الفاسدين من رجال (الرئيس السابق حسني) مبارك».
من جهته، يقارن حسام (32 عاماً)، عامل في شركة سيراميك في مدينة العاشر من رمضان الصناعية في محافظة الشرقية، بين وضع العمال في عهد مرسي ووضعهم الآن: «صحيح أن مرسي لم يلحق إصدار قوانين لمصلحة العمال، لكننا كنا نحصل على حوافز وعلاوات بواسطة الإضرابات، أما اليوم فليس بمقدور أحد أن يفتح فمه».
ويسرد الرجل لـ«الأخبار» هجوم قوة من الجيش على الشركة واعتقالها أحد العمال، متهمةً إياه بالتحريض على الإضراب، ثم اقتياها إياه إلى مكانٍ مجهول، حيث أجبرته على حلق لحيته... لأن صاحب الشركة ضابط سابق في الجيش».
يرى الصحافي في صحيفة «المصري اليوم»، عصام الشرقاوي، أن ممارسات السيسي تشجع المصريين على إعادة الاسلاميين إلى الحكم: «عائلتي كلها باتت ناقمة على النظام بعدما أُلقي القبض على شقيقي عشوائياً منذ شهرين بتهمة أنه إخواني».
ويضيف الشرقاوي أن المأساة تكمن في أن الجهات الأمنية كلها قررت أن شقيقي الذي ليس له أدنى علاقة بالسياسة عضو في «الإخوان»، وأودعته في سجن الأبعدية في محافظة البحيرة، ليصبح واحداً من آلاف الشباب المحبوسين حالياً من دون تهمة حقيقية، بعد عودة الدولة البوليسية لتدوس كل يوم القوانين.
في موازاة ذلك، تتزايد وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية التي باتت تنافس تظاهرات جماعة «الإخوان». ويشير تقرير برنامج «مؤشر الديموقراطية» البحثي إلى أن شهر أيلول الفائت، شهد ارتفاعاً ملحوظاً في الحراك الاحتجاجي العمالي، وفي حراك العديد من الفئات التي خرجت للمطالبة بحقوق تتعلق ببيئة العمل، حيث ارتفعت نسبة تلك الاحتجاجات لتصل إلى 25.34% في أيلول، بعدما حققت في آب نسبة 18.7%، ما يعكس العودة التدريجية للعمال إلى خريطة الحراك الاحتجاجي.
تزايد القمع وتردي الأحوال المعيشية يدفعان قطاعات واسعة من الشعب إلى الانخراط في تظاهرات الإسلاميين ضد النظام. في هذا السياق، يقول أحمد (50 عاماً): «نحن نشارك علشان الناس الغلابة، وكل يوم جمعة بيكسبوا (الإسلاميين) تعاطفاً أكبر». وأضاف الرجل الذي يشارك بانتظام في تظاهرات حيّ المطرية في قلب العاصمة، «تتعاطى قوات الأمن معنا بغباء وصلف شديدين»، ويشير إلى أنه في إحدى المسيرات ألقى الأمن قنابل مسيلة للدموع على البيوت المكتظة بالأطفال والنساء، وإلى وقوع اشتباكات بينهم وبين الأهالي.
يختلف سمير مع الآراء السابقة. ينفي الموظف «جاذبية» تنظيم «الإخوان» في عيون الناس العاديين، قائلاً: «نعم، نعيش أوضاعاً أسوأ من أيام المخلوع مبارك، لكن الغضب والسخط لا يزال قائماً على الإخوان بسبب فشلهم في الحكم والأهم تبنيهم للعنف»، مضيفاً: «كمان الناس لم تفقد الأمل نهائياً في السيسي».
من جهته، يؤكد مدير البحوث والدراسات في مركز دراسات «أحوال مصر» أحمد بان، أن خريطة السلطة في مصر لا تزال تتأرجح بين التيار الديني تارةً وبين مجموعات المصالح القديمة طوراً. ويضيف أن الذي استقال من حزب «الحرية والعدالة» أن مشهد 25 كانون الثاني 2011، كان محطة استثنائية في تاريخ هذا الشعب، حاول «الإخوان» السطو عليها، ثم حاول الشعب استردادها في 30 حزيران.
يبدو أن المشهد الحالي يصبّ في اتجاه مصالح وطموحات «الإخوان» لمزاحمة الحالمين بـ«وطن جديد». هذا المشهد، سيكون ناتجاً من السياسات الغبية التي دفعت رموز الماضي إلى صدارة المشهد المصري من جديد.