تونس | انتهت المدة القانونية للحملة الانتخابية التشريعية في تونس، في ظلّ غياب شبه كلي لأنشطة القوائم المستقلة، التي تحصّلت على تمويل عمومي رغم معانات البلاد من أزمة مالية وتباعها سياسة تقشف، وغابت عن الانتخابات، ما عاد بالذاكرة إلى الانتخابات السابقة التي أهدر فيها نحو مليوني دولار على القوائم المترشحة لم تستوفِ شروط الحصول على التمويل العمومي.
أولى هذه الحالات سجلت في دائرة سيدي بوزيد التي انطلقت منها شرارة الثورة في 2011.

فبعد يومين من صرف القسط الأول للمنحة العمومية لقائمة «اللقاء الدستوري» في دائرة سيدي بوزيد الانتخابية، فرّ رئيس القائمة، محمد الظاهري بالمبلغ المقدّر بنحو 4000 دينار تونسي (2500 دولار)، الحادثة التي حصلت في 8 تشرين الأول عجّلت بطرح موضوع إهدار المال العام في شكل منح عمومية للمترشحين للانتخابات تغيب عنهم الجدّية.
هذه المشكلة التي واجهتها تونس في انتخابات 2011، اتضح بعد سنة من إجراء انتخابات المجلس التأسيسي، والتي كلّفت الدولة نحو 42 مليون دينار (نحو25 مليون دولار)، أن نحو 300 قائمة مترشحة، أي 18%من القوائم التي ترشحت لتلك الانتخابات، كانت قوائم عائلية تحصلت على المنحة ولم تقم بالحملة الانتخابية ولم تستجب لشرط العتبة (الحد الأدنى من الأصوات في الدائرة) الذي يعفيها من ردّ الأموال، كذلك لم تمتثل لطلب وزارة المالية بإرجاع المال العام.
يومها أيضاً، أعلنت دائرة المحاسبات التونسية أن 911 قائمة كانت قد انتفعت بمبلغ المنحة العمومية كاملاً، ولم تسوِّ وضعيتها القانونية، التي نصّ عليها في المرسوم عدد 35 لسنة 2011 أن كل قائمة لا تتحصل على 3 في المائة على الأقل من الأصوات المصرح بها على مستوى الدائرة الانتخابية مطالبة بإرجاع نصف مبلغ المنحة، وقدّر المبلغ المستوجب إرجاعه بأكثر من 3 ملايين دينار (نحو 1،8 مليون دولار) لم تقدر السلطات على استعادتهم بسبب غياب آلية قانونية لذلك.

صُرف نحو 6،5 ملايين دينار في القسط الأول من المنحة لنحو 1250 قائمة انتخابية

ذات الخطأ تكرّر في هذه الانتخابات، التي تضخّم حجم تكلفتها ليبلغ 100 مليون دينار (60 مليون دولار) في تعارض مع التمشي العام للدولة التونسية القائم على التقّشف وترشيد النفقات في بلد أعلن منذ مطلع 2014 أنه يعاني من ضائقة مالية، بلغت حدّ الاقتراب من الافلاس، وفق ما أعلن عنه المتحدث الرسمي باسم رئاسة الحكومة، نضال الورفلي منذ فترة.
خبير القانون الدستوري، غازي الغرايري، لفت إلى أن المجلس التأسيسي الحالي لم يقم خلال صياغته للقانون الانتخابي الحالي بتفادي الأخطاء التي سجلت في قانون الانتخابات 2011 وتبين لاحقاً وجود عدة ثُغَر فيه تتعلق بالحملات الانتخابية السابقة لأوانها والرقابة على وسائل الإعلام واسترداد الأموال المدفوعة في إطار التمويل العمومي. وأوضح الغرايري في تصريح لـ«الأخبار» أن القانون الانتخابي الحالي بحاجة لمراجعة «جدية» لعدة بنود فيه من بينها «استرداد المال العمومي وجدية الترشحات».
ورغم إقرار الغرايري بأن القانون الانتخابي لا يشجّع صراحة على إهدار المال العام، لفت إلى أن المنظومة القانونية التونسية الانتخابية لم تنجح في أن تحدّد من إهدار المال العام باسم التمويل العمومي. وأعطى الغرايري مثالاً على ذلك، بتسجيل ظواهر تؤكد أن هناك من تعمد الترشح بقصد الاستفادة بنسبة المال العام التي لا تكون القائمات المستفيدة منها مطالبة بإرجاعها، وهي بنسبة 50 % من هذا التمويل.
وأوضح أن «هناك من تظاهر» بتقديم قوائم مستقلة، ثم تبيّن لاحقاً أنه لم يكن مراهناً جدياً في النزال السياسي والانتخابي، وكانت غايته كسب تلك النسبة من التمويل العام، ودليله على ذلك أن بعض القوائم التي تمتعت بهذا التمويل لم تقم باجتماعات عامة ولم تقم بطباعة لافتات وملصقات دعائية.
الرأي المتخوف من أن يكون البعض استغل الفراغ القانوني وترشح من أجل الحصول على نصف المنحة المراوح بين 2500 دينار و6000 دينار (1700 دولار و3000 دولار)، وفق تصريح نبيل بفون، عضو الهيئة المستقلة للانتخابات، عززه تصريح معز بوراوري، رئيس منظمة «عتيد» المختصة بمراقبة الانتخابات، لـ«الأخبار» بأن أغلب القوائم المترشحة لم تقم بحملتها الانتخابية، وأن 20% منها، أي ما يعادل 300 قائمة لم تلصق ملصقاتها الانتخابية في الأماكن المخصصة لها، بالرغم من حصولها على المنحة العمومية. وعبر بوراوري عن تخوفه من أن يكون ذلك مؤشراً على وجدود ترشحات غير جدية من أجل الحصول على مبلغ المنحة العمومية الذي يختلف حجمه وفق الدائرة الانتخابية، موضحاً أنه صُرف نحو 6،5 ملايين دينار في القسط الأول من المنحة لنحو 1250 قائمة انتخابية.
هذا الخلل لا يمكّن دائرةَ المحاسبات التونسية، وهي الجهة الرقابية لتمويل الانتخابات من تفاديه، بسبب النصّ القانوني، المؤطر في الفصل 74 من القانون الانتخابي الذي يخصص لكل مترشح أو قائمة مترشحة منحة بعنوان مساعدة عمومية على تمويل الحملة الانتخابية، ويحصل المترشح أو القائمة على نصفها قبل انطلاق الحملة.
ويُصرف النصف الثاني في أسبوع من إعلان النتائج النهائية للانتخابات، شرط إظهار ما يفيد إنفاق القسط الأول في مصاريف الحملة وإيداع الحسابات لدى محكمة المحاسبات.
ويُلزم بإرجاع كامل المنحة العمومية كل مترشح تحصّل على أقل من 3% من الأصوات المصرح بها على المستوى الوطني أو كل قائمة تحصّلت على أقل من 3% من الأصوات المصرح بها على مستوى الدائرة الانتخابية ولم تفز بمقعد في مجلس النواب. كذلك تُلزم كل قائمة أو مترشح بإرجاع المبالغ التي ثبت أنها لا تكتسي صبغة مصاريف انتخابية، وتسترد الدولة كل مبلغ غير مستهلك من المنحة العمومية.
ولا يستفيد في الانتخابات الموالية من منحة التمويل العمومي كل مترشح أو قائمة لم تلتزم أحكام الفقرة 3 من هذا الفصل.
رئيس دائرة المحاسبات، عبد اللطيف الخراط، أشار في حديثه لـ«الأخبار» إلى أن دور هيئته الدستورية هو تقديم تقرير مالي للجهات المختصة التي لها أخذ القرارات التنفيذية المناسبة، لكن هذه الجهات لا يمكنها أخذ أي إجراء ردعي ضدّ المرشحين الوهميين لتكتفي بالضغط على الأحزاب من أجل استرداد الأموال منها.