طغى يوم أمس لقاء القمة السعودي ـ القطري في مدينة جدة على مجمل تطورات الحراك السياسي ـ العسكري في منطقة الشرق الأوسط. فبرغم ما قد يكتنف اللقاء، الثاني خلال ثلاثة أشهر، من ثقل العلاقات بين الطرفين، يأتي بعد نحو ثلاثة أسابيع على بدء «التحالف الدولي» ضرباته الجوية في سوريا وقبل ساعات على لقاء القادة العسكريين في دول «التحالف» في واشنطن، وذلك أيضاً في وقت تكسب فيه الأوراق التركية، حليفة الدوحة المركزية، نقاطاً على حساب «حلفائها» الخليجيين ضمن المشهد الداخلي لأداة الحرب الجديدة، «التحالف».

ووصل مساء أمس أمير قطر، تميم بن حمد، إلى مدينة جدة برفقة وفد رسمي، حيث كان من المفترض أن يلتقي الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز. ورغم أحاديث ديبلوماسية أفادت في الأيام الأخيرة بأن تفاهماً سعودياً ـ قطرياً شاملاً جرى التوصل إليه، إلا أن اللقاء جاء في ظل نقطتي اشتباك واضحتين بين العاصمتين.
أولاً، أفشل التجاذب السياسي بين البلدين عملية انتخاب رئيس جديد لـ«حكومة الائتلاف السوري» المعارض خلال اجتماعات الهيئة العامة المنعقدة في إسطنبول، بحسب ما أفاد أمس مشاركون لوكالة «فرانس برس». وحالت الخلافات دون إكمال الانتخاب، ودفعت نحو تمديد الاجتماعات لثلاثة أيام إضافية، وسط انقسامات بين مرشحين هما، وليد الزعبي المقرّب من السعودية، وأحمد طعمة (رئيس «الحكومة» المقال) المقرّب من قطر.
ثانياً، جرى اللقاء في ظل صعود أوراق تركيا، حليفة قطر، ضمن «التحالف الدولي»، وتلاقي أنقرة بشكل أكبر مع صيغ واشنطن، بشكل قد يؤثر في الأيام المقبلة سلباً في الريادة السعودية الإقليمية لـ«التحالف»، لتظهر إشارات وساطة ما في ثنايا الزيارة القطرية.

الفيصل: على إيران أن
تسحب قواتها المحتلة من
سوريا والعراق واليمن

وفي الساعات الأخيرة، كان قد برز خبران على علاقة بالدور التركي ضمن «التحالف»، إذ وافقت تركيا على «دعم جهود تدريب وتجهيز» مسلحي «المعارضة السورية المعتدلة»، وهو شق ضمن الاستراتيجية الأميركية، فيما تبع ذلك إعلان مسؤول أميركي في وزارة الدفاع أن حكومة أنقرة سمحت للجيش الاميركي باستعمال منشآتها لشن غارات على تنظيم «داعش»، رغم مسارعة مسؤولين أتراك إلى نفي ذلك. وقال مصدر حكومي تركي لوكالة «فرانس برس» إنه «لا يوجد اتفاق جديد مع الولايات المتحدة بخصوص (قاعدة) انجرليك»، مشدداً على أن «موقفنا واضح، ليس هناك اتفاق جديد». وذكّر بأن الاتفاق الساري حالياً بين تركيا والولايات المتحدة لا يسمح للجيش الاميركي بالوصول الى «قاعدة انجرليك» إلا ليقوم بمهمات لوجستية أو إنسانية. وأضاف أن «المفاوضات مستمرة على أساس الشروط التي وضعتها تركيا سابقاً». من جهته، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاوش اوغلو، إنه «لم يتم اتخاذ أي قرار بخصوص انجرليك».
ورغم التضارب، كان الكلام الأميركي أكثر وضوحاً. ففي وقت سابق أمس، قالت مستشارة الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي، سوزان رايس، في حوار مع شبكة «ان بي سي» الأميركية، «قالوا (الأتراك) إنه يمكن أن تستخدم قوى التحالف (الأميركيون وغيرهم) المنشآت في الداخل التركي، ضمن الأعمال التي يقومون بها في العراق وسوريا»، مضيفة في سياق حديثها «لم نطلب من الأتراك إرسال قوات برية إلى سوريا». وفي وقت لم توضح فيه رايس أياً من العمليات العسكرية التي يمكن للولايات المتحدة أن تقوم بها انطلاقاً من القواعد التركية، قالت صحيفة «واشنطن بوست» إن «مسؤولين أميركيين كانوا حذرين الاثنين (أمس) حيال تقديم المزيد من المعطيات أو توضيح القضية خوفاً من إزعاج الأتراك».
عموماً، بانتظار ما ستخرج به اجتماعات باريس اليوم بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف، فقد بات واضحاً أن الدور التركي في ما يخص سوريا اكتسب في الأيام الأخيرة أدوات قوته ولقي دعماً أميركياً كان غائباً في الفترة الماضية. وأمس، شكر وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل نظيره التركي عصمت يلمز على دعم تركيا لجهود «التحالف»، فيما من المفترض أن يصل إلى أنقرة خلال الأسبوع الحالي فريق تخطيط تابع لوزارة الدفاع الأميركية بهدف متابعة العمل المشترك المتفق عليه بين البلدين.
ورغم أن مآل مطالب تركيا بالمنطقة العازلة في سوريا، أو الآمنة، ما زال غير واضح، وفي ظل مجمل تلك التطورات المتسارعة، لا تزال الديبلوماسية السعودية تقبع في مربع يبدو أنها ترفض الخروج منه. وانعكاساً لذلك، قال وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، أمس، إنه يتعين على إيران أن تسحب قواتها «المحتلة» من سوريا. ورأى، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الالماني فرانك فالتر شتاينماير في جدة، أن الامر ينطبق أيضاً على الوجود الايراني في العراق واليمن، مضيفاً «ليس هناك من تحفظ على إيران كوطن ومواطنين، ولكن التحفظ على سياسة إيران في المنطقة».
وسارع مساعد وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبداللهيان، إلى الرد على الفيصل بالقول «ما نقل (عنه)... يتعارض مع أجواء المباحثات بين البلدين»، مضيفاً «ننصح السعودية بالحذر من مؤامرات أعداء المنطقة، وأن لا تفوّت فرصة لعب دور إيجابي في المنطقة».
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)