غزة | منذ الأمس ومسؤولو السلطة الفلسطينية يطبلون للإنجاز الكبير في جمع نحو خمسة مليارات دولار التي ستنقسم لإعادة إعمار غزة ودعم موازنة حكومة "الوفاق"، لكنهم جميعا لم يستطيعوا إخفاء جملة التصريحات التي أطلقتها جهات دولية محذرة فيها من أن زمن الإعمار لن يكون سريعا، فضلا على أن عددا من المتبرعين أكدوا أن دولهم ستمنح هباتها المالية على مدار سنوات، وآخرون أوضحوا أن ما يقدمونه هو في إطار موازنات سابقة كانت تعطى لغزة عبر الأمم المتحدة وزيدت عليها بضعة ملايين.


هذا التفاؤل السلطوي الكبير لم يحرك ساكنًا في عروق الغزيين التي تجمدت جراء التجارب السابقة، وسرعان ما بدأوا يفيقون من ذهول أرقام أمس مع كمّ الاشتراطات التي رافقت هذه المليارات وبدأت تتكشف شيئا فشيئا.
الاشتراط الأكبر الذي أوضحته كلمة الراعي، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأكدته كلمات من تبعه من رؤساء ووزراء خلال اليومين الماضيين، هو أن عملية الإعمار ستكون مربوطة، أو حتى مرهونة، بتثبيت الأمن وتفعيل دور السلطة في القطاع، ثم الانتقال إلى عملية تسوية شاملة.
وبلغة أكثر وضوحا، قالت الأطراف الدولية المشاركة إن استتباب الأمن شرط لتنفيذ الإعمار، وزاد على القصيد بيتا، رئيسُ السلطة الفلسطينية، محمود عباس، حينما عزف هو الآخر على الوتر نفسه أمس. لم يمض وقت كثير حتى أجاب عباس عددا من الصحافيين عن أسئلتهم في مؤتمر علني، وجزم بوضوح أنه لا يوجد مستقبل في بلد (غزة) أكثر من نصفه "مليشيات". وأضاف أن توجه حكومة التوافق إلى غزة "لم يلغ حقيقة أن حماس هي التي لا تزال تسيطر على الوضع الميداني هناك".

لا يريد المانحون أن تذهب "أموال دافعي الضرائب" بقصف إسرائيلي جديد

وبعدما قدر أبو مازن أن العمل العسكري لن يستأنف في القطاع مرة أخرى "بسبب الدمار الرهيب الذي حدث بعد العدوان الأخير"، اشترط الحل بالقول: "هذا الوضع لن يتغير إلا بالانتخابات"، وأعادها بعبارة تفصيلية أخرى قال فيها: "لا حديث عن مصالحة حقيقية مع حماس قبل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية".
وقد يكون مثيرا الربط بين هذه الاشتراطات "الفلسطينية"، والاشتراط الذي وضعه أمس الرئيس الإسرائيلي، رؤوبين ريفلين، خلال استقباله الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، قائلا له إن "رفع الحصار عن غزة وعملية الاعمار سيجريان فور تفعيل دور السلطة في غزة، وإيجاد طريقة لتحييد قدرات حركة حماس".
كل هذا الكلام المتوالي والسريع أشاع أجواء سلبية في غزة، وأظهر أن هناك هدفا خفيا ـ واضحا من ربط عملية الإعمار وإدخال الأموال، بحصر القدرات القتالية للمقاومة وتحييدها، وصولًا إلى نزع سلاحها، وعلى الأقل إقناع الناس بأن المقاومة صارت عبئا عليهم.
عززت هذه التخوفات تقارير صادرة عن منظمات دولية تحدثت عن خوفها من طول مدة الإعمار اذا استمر التعنت الإسرائيلي، مع أن نائب رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد مصطفى، أشار إلى أن الدول المانحة تشترط تعهدات بألّا تتعرض مشروعات إعمارها لأي عملية تدمير في أي حرب مقبلة "كي لا تذهب أموال الضرائب التي يجبونها من شعوبهم هباءً"! وليس معروفا كيف يمكن الحصول على ضمان إسرائيلي بشأن ذلك.
مصطفى قال لـ"الأخبار"، إن الجامعة العربية أيضا "طلبت تعهدات من إسرائيل بألا تتعدى على هذه المشروعات، كما دعت أطرافٌ دولية الفلسطينيين إلى التزام التهدئة الجارية"، لكنه أكد أن مشروعات الإعمار ستبدأ فورًا، "فيما حصلت الحكومة على تعهدات مصرية بذلك".
أما الجامعة العربية، فقالت إنها تقدمت بطلب إلى الأمم المتحدة "والدول ذات العلاقة بعملية السلام في الشرق الأوسط للتواصل مع الاحتلال وإجباره على عدم المساس بمخرجات الإعمار". ووصف الأمين العام المساعد لرئيس الجامعة، الدكتور أحمد بن حلي، هذا المؤتمر بأنه مفتاح لإعادة الحل السياسي للقضية الفلسطينة بأكملها، موضحا أنه إذا لم تحل القضية، فإن هذا المؤتمر "سيكون مصيره الفشل مثل المحاولات السابقة". وأشار بن حلي، في حديث مع "الأخبار"، إلى أن المجتمع الدولي سيتحمل مسؤولياته إزاء ما سيترتب على عملية الإعمار.
حركة "حماس" التي وضعت تحت مجهر الهمز والتلميح، قالت إنها على استعداد لإنجاح عملية الإعمار. وأكد عضو المكتب السياسي، خليل الحية، أن حركته رفعت كل الذرائع التي يمكن لأحد التذرع بها في محاولته التنصل من عملية الإعمار. وقال الحية، في تصريح صحافي لمندوبنا على هامش احتفال في غزة، إن حكومة "التوافق" هي الموكلة بتنفيذ الإعمار كما نص اتفاق المصالحة.
نقطة نظام لفت إليها الاختصاصي الفلسطيني في مجال الاقتصاد، ماهر الطباع، وهي أن "المبلغ الحقيقي الذي دفع لإعادة الإعمار هو ملياران و200 مليون دولار، وهو أقل من الخسائر الحقيقية المباشرة التي تكبدها القطاع وتجاوزت أربعة مليارات".
وقال الطباع لـ"الأخبار"، إن ما يجري "عملية تجميل للحصار عبر ما تسمى خطة روبرت سيري التي أحكمت السيطرة والمراقبة على مواد الإعمار والمعابر، ما يعني أن الأطراف الدولية وإسرائيل وضعت خطة لإعادة تفجير الأوضاع متى تريد".
على نحو آخر، نبهت مصادر مسؤولة في دائرة المعابر التابعة لرام الله، في تصريح مقتضب لـ"الأخبار"، إلى أن عملية تدفق مواد الإعمار ودخول العمال وباقي التسهيلات ستكون مرهونة بالوضع الأمني في غزة.