بغداد | قبل سقوط مدينة الموصل شمالي العراق بيد تنظيم «داعش» في 10 حزيران الماضي، روّج التنظيم حينها عبر سياسيين ووسائل إعلام بصورة غير مباشرة لدخول العاصمة بغداد، تحت شعار «قادمون»، حتى بات سكانها في حالة قلق دفعت بعضهم إلى السفر باتجاه إقليم كردستان العراق.


مناطق حزام بغداد التي يسكن أغلبها أبناء الطائفة «السنية» اتخذ «داعش» منها بداية الانطلاق لتنفيذ هجماته على أحياء العاصمة. هذا الحزام مُحاط الآن بجيوش من المسلحين من الفصائل «الشيعية» التي اتفقت في وقت سابق مع وجهاء تلك المناطق على عدم منح عناصر «داعش» فرصة الوجود في قُراهم.
هذه المناطق التي كانت تُشكل مصدر قلق لدى الحكومة العراقية قبل بدء حملات التطوع الشعبي التي أعلنتها مرجعية النجف بعيد سقوط الموصل، تكمن خطورتها في المناطق التي تقع غرب العاصمة بغداد، لقربها من محافظة الأنبار، معقل وجود تنظيم «داعش» الذي امتد إلى محافظتي صلاح الدين ونينوى.
قوات الحشد الشعبي المكونة من فصائل شيعية مسلحة (بدر، عصائب أهل الحق، سرايا السلام «التيار الصدري»، كتائب حزب الله العراق) وفصائل أخرى، كانت توجه في الأيام الأولى ضربات برية محدودة لـ«داعش» لبساطة الأسلحة التي تمتلكها، لكنها اليوم بدأت بتوجيه ضربات قاسية للتنظيم بعد امتلاكها لأسلحة ومعدات عسكرية ثقيلة. وأكد مصدر في كتائب حزب الله العراقية المرابطة في مناطق حزام بغداد، لـ «الأخبار»، أن «عناصر في «داعش» اعترفوا خلال أسرهم بأن عدداً كبيراً من قياداتهم قتلوا خلال المعارك التي جرت مع قوات الحشد الشعبي العراقية».
ويضيف المصدر الموجود في حزام بغداد منذ شهرين، أن «الأسرى من عناصر «داعش» اعترفوا بوجود خلايا نائمة مرتبطة بهم في العاصمة العراقية، تمدّهم بالمعلومات عن التحركات العسكرية، وتقوم بتنفيذ بعض عمليات التفجير والاغتيال».
في شمالي غربي العاصمة بغداد تقع منطقة الشعلة التي تربطها مناطق زراعية بقرى قريبة من قضاء الفلوجة التابع لمحافظة الأنبار، ويسكن في منطقة الشعلة أتباع زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذين شكلوا أفواج "سرايا السلام". هذه المنطقة تعرضت خلال الأسابيع الأخيرة لهجمات من المناطق والقرى القريبة منها التي يسيطر عليها «داعش»، لكن قوات الحشد الشعبي وبإسناد مناطق أخرى كانت تصد تلك الهجمات.
في منطقة الرفوش قرب قرية المحاسنة في قضاء أبو غريب غربي بغداد، بَنت قوات الحشد الشعبي العراقية ساتراً ترابياً، يمنعون به عناصر «داعش» من التواصل مع منطقة عامرية الفلوجة التي كانت تعتبر نقطة إمداد لمجاميع التنظيم في حزام بغداد.
نقيب في الفرقة 17 المسؤولة عن حماية منطقة جنوبي العاصمة حزام بغداد كشف لـ«الأخبار» أن «منطقة اليوسفية والمناطق الزراعية جنوبي بغداد كانت تضم أوكاراً كبيرة لتنظيم «داعش» التي تنطلق منها العمليات الإرهابية في العاصمة بغداد، لكن المعلومات الاستخبارية ساهمت بشكل كبير في إنهاء وجود الإرهاب هناك».
وأوضح النقيب أن «عناصر «داعش» تراجعوا الآن باتجاه حدود محافظة الأنبار، بعد عمليات كبيرة قامت بها القوات الأمنية العراقية بالتعاون مع متطوعي الحشد الشعبي، الذين يسيطرون الآن على مناطق حزام بغداد، بتنسيق عسكري مع الجيش العراقي».
أما في ناحية جرف الصخر (60 كلم) جنوب بغداد، فلم تشهد العاصمة عمليات عسكرية مثلما تشهده المنطقة خلال الأشهر الأربعة الأخيرة. وبحسب مختصين عسكريين، فإن هذه الناحية التي لم تدخلها القوات الأميركية طوال وجودها في العراق، يتخذ «داعش» منها نقطة انطلاق لتنفيذ عملياته في بغداد والمحافظات الجنوبية، نتيجة لسهولة التحرك في تلك المنطقة الزراعية.
في غضون ذلك، قامت وزارة الداخلية بتسليح عشائر حزام بغداد والاتفاق مع وجهائها على كيفية حماية قراهم بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية، لكن شيوخ العشائر اشترطوا التسليح وعدم إهمال الدعم المقدم لهم من قبل الحكومة، من أجل الصمود لصد أية هجمة يقوم بها «داعش».
التنظيم اعتمد على التمركز في مناطق حزام بغداد، لأسباب يعتبرها أساسية، وذلك لعدم وجود حالة من التوافق بين سكان تلك المناطق والأجهزة الأمنية، ما دفعه إلى كسب ودّ ساكنيها، واستثمار حالة الغضب تجاه الجيش العراقي غير المرغوب فيه هناك بسبب الاعتقالات التي تطال ساكنيها.
نداءات السياسيين «السنّة» بالمظلومية والتهميش، دفعت سكان مناطق (أبي غريب، التاجي، الطارمية، المشاهدة، اليوسفية، المدائن) وهي مناطق حزام بغداد، إلى الشعور بأنهم ضعفاء ومغلوب على أمرهم من قبل حكومة الشراكة الوطنية برئاسة حيدر العبادي، ما دفع البعض منهم إلى القبول بوجود تنظيم «داعش» على أنه المُخلص من هذا الظلم والاستبداد.
ما يُعاب على الجيش العراقي خلال المعارك الأخيرة مع تنظيم «داعش» أنه لم يتمكن من مسك الأرض، رغم تحريره لتلك المناطق، ما دفع قوات الحشد الشعبي إلى الإمساك بتلك المناطق بعد تحريرها، لينفذ الجيش بعد ذلك مهمات أخرى.