القاهرة | في الأول من آب الماضي، ضحك راكبا «أوتوبيس» بعدما قرأ أحدهما، بصوت جهوري، خبراً منشوراً في صحيفة يومية يقول إن تنظيم «داعش» يُمهل أصحاب الكازينوهات الليلية، والمترددين عليها، في مصر، شهراً لإعلان توبتهم، وإلا «فقد جئناكم بالذبح أنتم وزبائنكم ومن يساعدكم ومن يموّلكم، وسننشر إراقة دمائكم بأيدينا على إصدارات مرئيّة موثقة بالصوت والصورة».


لفت الراكبان الأنظار، وقهقه كثيرون عندما طلب راكب من السائق أن يُنزله في ميدان باب اللوق (وسط القاهرة) كي يتسوّق ما استطاع من «البيرة قبل انقضاء المُهلة».
ربما أشار ذلك المشهد إلى مزاج مصري عام تجاه «داعش»، صعب أن يتكرّر بعدما بات مزاجاً مُتجهّماً حتى في موضع الهزل، الذي يمكن أن نضم إليه كيانات كوميدية تظهر مثل «كتائب حلوان»، و«عفاريت دمنهور»، و«الدولة الإسلامية في شارعي الهرم وفيصل» ـ «داهف»، وغيرها من الحركات التي تسرح في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي و«يوتيوب».
تتقدم عربة أفكار «داعش» تبيع بضاعتها، وتدغدغ مشاعر الكثير من الشباب المتدين الذي شعر بأنه ابن «مظلومية 30 يونيو»، التي أطاح فيها الجيش الرئيس الإسلامي، فتعطل حلم إقامة «الخلافة».
الأرض التي تكسبها «داعش» في العراق وسوريا، وعناصر الإبهار البربري التي تقوم بها تحت غطاء «دولة الخلافة» تُغري المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين، والشباب المتدين في ظلّ انسداد الأفق السياسي، والتوتر الذهني الذي تعانيه «الجماعة»، وتفكك ما كان يسمّى «التحالف الوطني لدعم الشرعية»، وفشله في إدارة الصّراع مع السّلطة.
تحت غطاء «المظلومية» تلك، تروج بضاعة «داعش» في سيناء وفي أذهان كثير من شباب التيار الإسلامي، الذي يشعر بأن فرصته الكبيرة في إقامة المجتمع الإسلامي تحطمت بسبب «الخيارات السلمية». فتنظيمات عديدة في شبه الجزيرة المضطربة تنضوي تحت راية «داعش»، أبرزها تنظيم «أنصار بيت المقدس»، وكذا في الوادي الجديد والدقهلية.

ساهمت الحكومة من حيث لا تدري في انتشار الخطاب التكفيري والجهادي داخل المساجد

جغرافياً ساهمت الدولة المصرية، المستقيلة نسبياً عن أداء دورها في الرقابة على الخطاب الديني، من حيث لا تدري، في انتشار الخطاب التكفيري والجهادي داخل مساجد وزوايا في قرى الدلتا، وفي الصعيد والمحافظات البعيدة عن العاصمة، وخصوصاً الحدودية منها، على حد قول كرم سعيد، المحلل السياسي والباحث في مؤسسة «الأهرام»، الذي يعتقد أن عدداً يقدر بالمئات من أبناء تلك المناطق انضم إلى «داعش» في سوريا وليبيا والعراق في الأسابيع الأخيرة لحكم محمد مرسي، والشهور التي تلت عزله.
سعيد يرى أن كثيراً من خطباء وزارة الأوقاف، وهم يتحصلون على رواتبهم الشهرية في كل الأحوال، «يتركون المساجد، ويذهبون إلى مشاغلهم في الحقول، فيعتلي المنابر جهاديون عاطفيون ملتزمون خطابا دينيا لا يختلف عن خطاب القرن السابع الميلادي». ويضيف «الدولة تتحمل جزءاً من انتشار الخطاب التكفيري، الأزهر والمؤسسات الدينية الرسمية تتحمل المسؤولية أيضاً، ففي مقابل قنوات دينية فضائية كانت تعمل منذ السنوات الأخيرة لعهد حسني مبارك، حتى 30 يونيو 2013، لم يدخل الأزهر هذا المضمار الذي يرى أنه ساهم في تزييف وعي مئات الآلاف من البسطاء».
وهو يلفت إلى أن «الدولة تدفع الآن ثمناً باهظاً لغضها الطرف عن مواجهة الجماعات الإسلامية المتشددة ثقافياً ودينياً، لم تهتم بهذا أبداً، وكانت حريصة على محاباة جماعات بعينها كالسلفيين لضرب فصيل آخر، ولم تهتم أبداً بمواجهة وتفكيك جوهر الخطاب الموقوت الذي يخرج من أفواه أبناء التيار الإسلامي، طالما لم يكن ضدها كدولة، أو بالأدق كنظام سياسي».
حُمّى «داعش»، في تقدير سعيد، «تُغري عدداً من قيادات الجماعة داخل السجون (القطبيين) لاستبدال قفازات الملاكمة الحالية مع الدولة، بقفازات تُثير العاطفة الدينية، لدى شرائح سكانية أكثر تأثراً بالخطاب الديني المجرد، ومقولات من قبيل أن الإخوان يخوضون حربا ضد سلطة غاشمة تتربّص بالمشروع الإسلامي، وتنشئ تحالفاً مع الكنيسة المصريّة لتدمير هوية المصريين المسلمين وتكريس المبادئ والتوجهات العلمانية».
من جهته، يرى الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، الشيخ ناجح إبراهيم، أن «فشل الإخوان ومناصريهم في التعبئة السياسية للجماهير ضد السلطة الحالية زاد الهوّة بين الصقور والحمائم داخل الجماعة، وباتت الأفكار القطبية التكفيرية التي تستند إليها داعش، هي المخرج الأسهل لكثير من أبناء الجيل الثالث من الجماعة، وقطاعات من شباب التيارات الإسلامية المتشددة كالجماعة الإسلامية، وهو جيل يفتقد، الخبرة السياسية، وتستهويه فكرة الانتقام من السلطة، التي تحارب الإسلام، وتعيق إقامة الدولة الإسلامية».
صور الأجانب والأوروبيين في صفوف «داعش» أفاقت عدداً لا بأس به مما يسميها الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، كمال حبيب، المتخصص في شؤون الجماعات الإسلامية، بـ «الشبكات الجهادية المغمورة»، التي تحمل الفكر السلفي الجهادي، والخبرة الحركية في القتال، وهم أعلنوا توبتهم، بعد عودتهم إلى مصر، من أفغانستان، وباكستان. هذه الشبكات، في رأي حبيب، «تستغل حالة المظلومية لدى أبناء التيار الإسلامي، والصخب الذي تخلقه داعش في المنطقة، في نسج خيوط جديدة لعمل تنظيمات صغيرة، خلايا صغيرة، تصبح نواة في المستقبل، وأحد مصادر العنف المحتملة ضد الدولة».
الطريق إلى الخلافة، متشعب، ومعقد، لكن الجرأة التي تطبق بها «داعش»، الفكرة، تجعله طريقاً سريعاً وسهلاً، وجذاباً، في رأي أحمد بان، الإخواني المنشق، والخبير السياسي، الذي يقول إن «كل الإسلاميين لديهم مرارة من تذكر أن الخلافة سقطت في 1924 على يد كمال أتاتورك، فرغم كل المساخر التي ارتبطت بها، إلا أنهم يرون أنها كانت راية عالمية للمسلمين».
بان يكشف أن هناك تحولا نوعياً وقع في الشخصية الإخوانية، التي تحولت من مُسالمة، تؤمن بالتكتيك والإصلاح، إلى شخصية تؤمن بالعنف، «فكرة هدم الدول القومية من الداخل، لبناء المجتمع الإسلامي، وهي فكرة يتبناها الإخوان، باتت في رأي كثير من الأتباع، عديمة الجدوى، في ظل وجود أكثر من جبهة جهاد، مفتوحة في المنطقة».
إبهار «داعش» يستند إلى رافع مذهبي، في رأي ناجح إبراهيم، الذي يرى أن تنظيم «داعش» يقدم نفسه على أنه المخلِّص لـ «السنّة» من اضطهاد «الشيعة» في العراق وسوريا، «الشباب المفتون بأفكار سيد قطب، والوهابية، يرى أن الشيعة أكثر خطورة على المسلمين من اليهود والنصارى، وبالتالي ينظرون إلى جنود داعش، باعتبارهم، ثواراً، ومجاهدين لا يُشق لهم غبار».