يمكن تلمّس أكثر النواحي الأيديولوجية في قرارات رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، عندما يتعلق الأمر بقضايا الاستيطان. مع ذلك، يبقى الشرط الأساسي الذي يسمح له بالتعبير عن عدوانيته هي موازين القوى، خاصة أن بوصلة اهتمام الأنظمة العربية منحرفة بدرجات واسعة عن كل ما يتعلق بقضية فلسطين.

وأمس مثلاً، اندلعت مواجهات عنيفة في باحات المسجد الأقصى بين قوات الاحتلال وفلسطينيين كانوا يتظاهرون احتجاجاً على اقتحام مستوطنين باحات المسجد، وهي ليست إلا نتيجة لتزايد أعداد اليهود المتطرفين الذين يدخلون باحات الأقصى يوماً بعد يوم ويؤدون «شعائر تلمودية» تستفز المسلمين.

على خط موازٍ، أصدر نتنياهو أوامره بتعزيز قوات الشرطة المنتشرة في المناطق التي تندلع فيها المواجهات داخل القدس، وطالب بالعمل «الحازم» ضد المتظاهرين، مؤكداً أنه «لن يسمح بتحويل الوضع الراهن إلى أمر معتاد».
ويبدو من البيان الذي صدر عن مكتبه ظهر أمس، أنه تعبير عن سياسة تهدف إلى تدفيع الفلسطينيين أثماناً مؤلمة لجرأتهم في التعبير عن احتجاجاتهم ضد اعتداء المستوطنين، وبعبارة أخرى الهدف هو «تعزيز قوة الردع للشرطة الإسرائيلية والأجهزة المتخصصة»، لذلك أوضح البيان أن رئيس الحكومة طالب بـ«التصرف بطريقة هجومية ضد المتظاهرين».
كذلك، أوضح البيان أن نتنياهو عقد اجتماعاً مع رئيس بلدية القدس، نير بركات، ورؤساء الأجهزة الأمنية على خلفية الاضطرابات المتواصلة شرقي القدس «للتعامل مع هذه الأحداث جذرياً». وكأنه على جبهة عسكرية في مواجهة قوات مسلحة، استهل رئيس الوزراء العدو الاجتماع بالقول: «شهدنا أخيراً أحداثاً شملت رشق الحجارة والعنف... يجب أن نرى حجم القوات والقدرات التي يجب أن نستعملها من أجل ضمان السلامة العامة في القدس».
وأصيب في مواجهات أمس نحو 17 فلسطينياً، فيما أُصيب ثلاثة أفراد من شرطة الاحتلال التي اعتقلت خمسة من المتظاهرين. وادعت الشرطة الإسرائيلية أن «الزوار اليهود والأجانب كانوا في زياراتهم الاعتيادية»، لكنها بالغت في التصدي للمتظاهرين، وحولت المسجد، وفق شهود العيان، إلى ما يشبه الثكنة العسكرية بعدما أطلقت كمية كبيرة من قنابل الصوت والدخان التي أحرقت جزءاً من سجاد الأقصى.
الردود على المواجهات قادها رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، الذي رأى أن الحكومة الإسرائيلية ترعى وتشجع «اعتداءات المتطرفين الإسرائيليين في الأقصى»، محذراً من أن إسرائيل تسعى إلى «تحويل الصراع السياسي إلى ديني». وقال عباس في كلمة متلفزة: «نعرف، وكذلك العالم، خطورة استعمال الدين في الصراعات السياسية، لذلك لا بد أن نرى جميعاً ما يحيط بنا وأن يُفهم أن مثل هذه الخطوات محفوفة بالمخاطر عليها وعلى غيرها».
هو التحذير نفسه الذي حمله وزير شؤون القدس في حكومة التوافق، عدنان الحسيني، الذي اتهم نتنياهو بالمسؤولية عن «تفجير الأوضاع في مدينة القدس»، محذراً من اندلاع «حرب دينية عقائدية لن يفلت من عقباها أحد وستطاول نيرانها الجميع دون استثناء».
أما حركة «حماس»، فأكدت في بيانها أنها لن تسمح بتهويد القدس «مهما كلف ذلك من ثمن»، مشددة على أنها لن تعترف بأي تغيير على خريطة المدينة السياسية أو الديموغرافية أو الدينية. وحذرت الاحتلال من «استسهال» التعدي على المقدسات الإسلامية، «لأن ذلك هو عنوان الصراع الحقيقي الذي لن ينتهي إلا بنهاية هذا الكيان الدخيل».
من جهة أخرى، اتهمت الحكومة الأردنية، السلطات الاسرائيلية، بإفراغ المسجد الأقصى من المسلمين بالكامل، ودعتها، في تصريح أمس، إلى «تجنب إشعال المزيد من نيران التطرف والفتنة بين أتباع الديانات في العالم».
وتوترت الأوضاع في المدينة المحتلة منذ مقتل وحرق الطفل محمد أبو خضير على أيدي مستوطنين، وزادت حدة التوتر بعد حملة الاعتقالات الإسرائيلية التي طاولت مئات من المقدسيين خلال احتجاجات ضد الحرب الأخيرة على غزة.