القاهرة | لا تنكر السلطات المصرية الحالية الدور الذي لعبته الصحافة في تأجيج مشاعر الجماهير الغاضبة تجاه نظامي الرئيسين السابقين حسني مبارك ومحمد مرسي، خلال السنوات الماضية. حتى ولو كان الأول صاحب الضرر الأكبر، ذلك أن الصحف الخاصة التي حصلت على تراخيص بالإصدار في عهده، كانت الأكثر نقداً للحكومة وكشفاً للفساد خلال آخر عامين من حكمه.


قبل 25 كانون الثاني 2011، لم تكن الرقابة على الصحف مقيّدة في ما تنشره إلا في ما ندر. قليل من الصحف تعرّضت للتضييق، بينما بقيت المضامين الإخبارية الصادمة تصدر بقوة، كما ظهرت منافسة بين الصحف الخاصة التي يمتلكها رجال الأعمال من أجل كشف فساد النظام السياسي والحكومة، وأبرزها في هذا الإطار شهادة المستشارة نهى الزيني حول تزوير الانتخابات لصالح رجال «الحزب الوطني» الحاكم.
أما الآن، فقد أوقفت الرقابة طباعة ثلاث صحف خلال عدة شهور، اعتراضاً على ما تمّ نشره، وآخرها كانت حلقة «الثعلب» من ضمن سلسلة الحوارات التي أجرتها صحيفة «المصري اليوم» مع رئيس جهاز الأمن القومي الأسبق الفريق رفعت جبريل.
سلطة ما بعد «25 يناير» لم تتمكن من فرض سيطرتها على الصحافة حتى بعد «30 يونيو». صحيح أن القوات المسلّحة تولت إدارة شؤون البلاد ومن بعدها جماعة «الإخوان المسلمين»، إلا أن أياً منهما لم ينجح في السيطرة على حالة الانفلات الصحافي الذي شهده عدد كبير من الصحف.
بعض الوزراء أدركوا أهمية توغّل عدد من الصحافيين في مصادرهم، فبدأوا استقطابهم للعمل في الوزارة كمسؤولين في المكتب الإعلامي للوزير، وهو ما حدث في وزارتي التموين والإسكان، اللتين استعان الوزراء فيهما بصحافيين من «الأهرام» و«المصري اليوم»، ليكونوا متحدثين باسمهم، بعدما تابعوا أنشطة الوزارة لسنوات.
في الأشهر الأخيرة، وتحديداً منذ إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي اعتزامه الترشح للانتخابات الرئاسية، بدأت السلطات المصرية في إحكام سيطرتها على الصحف، تارة بالتهديد والوعيد، وتارة آخرى من خلال العلاقات الإنسانية والصداقة، التي تجمع بين رؤساء تحرير الصحف ومسؤولي الأجهزة السيادية.
وفي هذا الإطار، دعت إحدى الجهات الرسمية (المخابرات الحربية)، خلال الأسابيع القليلة الماضية، رؤساء التحرير إلى لقاء خاص لم يكشف عنه، ولكن مضمون اللقاء رفض نسب أي أخبار لمصادر عسكرية، خلال الفترة المقبلة، من دون الرجوع إليها، مع تأكيد ضرورة التدقيق في الأخبار المنشورة عن القوات المسلّحة ودقّتها.
يحاول السيسي شخصياً خلق حالة من الود بينه وبين الإعلاميين، لا يبدي رفضاً لاعتراضاتهم أحياناً، لكنه يحاول إقناعهم بوجهة نظره. فقبل أسبوعين تقريباً، أجرى المشير اتصالاً بالكاتب الصحافي جمال الجمل بعد سلسلة مقالات كتبها منتقداً السلطة، محاولاً إعطاءه بعض المعلومات وشرح وجهة نظر السلطة في ما كتب.
توجّه الرئاسة دعوات شخصية لجميع رؤساء تحرير الصحف لحضور جميع المناسبات مع الرئيس في المقاعد الأولى، لا يتوقف السيسي عن تحيتهم شخصياً خلال مغادرته. وحتى في نيوريوك عندما أنهى كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حرص على تحيتهم، في سبيل خلق حاجز ضد انتقاده، وخصوصاً أنه أعطاهم الفرصة لتوجيه أي أسئلة أو استفسارات، سواء كانوا رؤساء تحرير صحف خاصة أو «قومية»، لذا يندر أن تجد صحيفة توجه انتقادات للرئيس.
الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة الكاتب الصحافي صلاح عيسي قال لـ«الأخبار» إن القانون المصري ينص على عدم نشر أي معلومات عن المخابرات أو القوات المسلحة، من دون الرجوع إلى إدارة الشؤون المعنوية والحصول على موافقة مسبقة منها، وإلا يترتب على ذلك محاكمة عسكرية لكل من قام بنشرها. وهو أشار إلى أن هذا القانون موجود منذ «ثورة 1952» ويتم تفعيله.
وأضاف عيسى إن الحديث عن قضايا المخابرات أمر ليس من حق أصحابه فقط، ولكنه يخضع لقوانين وضوابط محدّدة لا تسقط بالتقادم، إلا إذا وافقت الجهة على نشره، مؤكداً في هذا السياق أن هناك صحافيين قدموا لمحاكمات عسكرية في وقت سابق، بسبب نشرهم هذا النوع من الأخبار، قبل أن يتدخل وزير الدفاع بناءً على طلب من نقابة الصحافيين للعفو عنهم.