ريف دمشق | يتابع أبناء المناطق المشتعلة في ريف دمشق أخبار بلداتهم ومناطقهم أولاً بأول. يمكن لأي خبر أو إشاعة حول التسويات أن يجدّد الأمل فيهم للعودة إلى بيوتهم، والخلاص لمرّة واحدة وإلى الأبد من ذلّ النزوح ومشقّة المعيشة في مآويهم المؤقتة. ففي بيوتهم التي تركوها خلفهم، تحت نيران المعارك، كل ما يحتاجونه الآن في أماكن النزوح، وفيها كل ما ألفوه على مدى سنين طوال، وكل ما سيذكرهم بحياة آمنة ويعيدها إليهم.


يضغط النازحون من ريف دمشق على وجهائهم وممثليهم وأبنائهم لكي تنجح التسويات. يتواصلون مع بعضهم بعضا باستمرار، باحثين عن إمكان فتح قنوات التفاوض بين الأطراف المتقاتلة؛ وهم مستعدون للتعاون مع الدولة والجيش وإقناع مسلّحي مناطقهم بقبول التسويات. فهذه الأخيرة هي أملهم الوحيد بالاستمرار في الحياة في ظل النكبات المتلاحقة، الأمنية والمعيشية، حتى في أماكن نزوحهم. أبناء الريف الجنوبي، يجدون أنفسهم الأوفر حظاً وخبرة في التوصّل إلى التسويات، فالكثير من بلدات هذا الريف تجاوزت الحرب إلى برّ المصالحات، كبلدات يلدا وببيلا وبيت سحم والقدم والعسالي. وبالتوازي كان الجيش قد استعاد بلدات أخرى في عمق ذلك الريف، كسبينة وحجيرة والبويضة والحسينية والذيابية. الأهالي في كل هذه البلدات يواظبون على مراجعة الضباط والمسؤولين السوريين لإقناعهم بالسماح لهم بالعودة إلى منازلهم، لكن «الظروف العسكرية تختلف من مكان لآخر، فإما أن تسمح بعودة قسم من الأهالي في بعض المناطق، كالقدم والعسالي، وإما أن تكون العودة غير ممكنة في الوقت الراهن»، يقول أحد الضباط المشرفين على ملف التسويات لـ«الأخبار».

أبناء الريف
الجنوبي يجدون أنفسهم الأوفر حظاً في التوصّل إلى التسويات
ويشرح: «الكثير من التفاصيل ينبغي حلّها قبل السماح للأهالي بالعودة: الأمن داخل البلدات، وتأمين الطرقات إلى خارج البلدة، ووجود بنية تحتية بالحد الأدنى تسمح بالمعيشة، ودراسة وضع الأخطار المحتملة على التسويات التي قد تكون على هيئة خروقات أو هجمات من مسلّحين متشدّدين». أما في بعض المناطق التي سيطر الجيش عليها عسكرياً، كسبينة، «فالخطر يكمن بأن الوضع حولها غير مستقر تماماً. يوجد قناصة للمسلّحين في محيطها البعيد، ولكن في النطاق الفعّال للقنص، بالإضافة إلى أن موضوع المواجهات مع داعش في الحجر الأسود المجاورة لم تتبيّن آفاقه بعد». بالرغم من ذلك، وبضغط من الأهالي، وافق الجيش على السماح بالدخول مؤقتاً إلى سبينة لإخراج الأغراض والحاجيات من داخل البيوت. «المباني في البلدة سليمة بمعظمها. البيوت مقفلة، ولا أثر لأي حياة، حتى القطط والكلاب لم يعد لها وجود. البلدة لا تسكنها سوى الأشباح»، يقول علي الجاسم، الذي دخل البلدة لجلب أغراض منزله. ويضيف: «بالرغم من ذلك، لو سُمح لي بأن أعود وعائلتي إلى منزلنا، ولو وحدنا، لعدت من دون تردّد». يعدّد علي ما الذي سيوفره البيت المهجور: «إذا عدنا، فلن يترتب علينا دفع ايجار بيت آخر باهظ الثمن في كل الأحوال، وشراء أغراض وحاجيات جديدة ومكلفة، وسنتجنّب الصراعات اليومية مع بقية النازحين على رغيف الخبز والمعونات. وبوجودنا تحت سقفٍ نحن بنيناه سنستردّ ما أُهدر من كرامتنا».
وفي مخيّم اليرموك الحال أعقد، فأبناؤه من الفلسطينيين - السوريين ونازحي الـ67 من الجولان أكثر توقاً إلى العودة إلى بيوتهم من غيرهم. مرارة تهجيرهم من فلسطين والجولان قبل عقود قليلة لا تزال ماثلة في ذاكرتهم الحيّة. تتحدّث إحدى السيدات الفلسطينيات لـ«الأخبار»، بكثير من الإصرار: «لو نعرف أية طريق للوصول إلى المخيم، شرعية أو غير شرعية، لعدنا إليه. ولو عدنا فلن نخرج ثانية ولو على قطع رؤوسنا، لن نسمح للمأساة بأن تتكرّر مرتين، نفضّل الموت في بيوتنا على الموت يومياً في أماكن نزوحنا. وإذا كانت بيوتنا مهدمة فسنعود إلى الخيمة». إلا أن العودة إلى المخيّم، بحسب أحد المطّلعين، هي «الأصعب بين نظيراتها في الريفين الجنوبي والغربي. هنالك قرار كبير لدى دول إقليمية ومجاورة بأن لا تنجح هذه العودة، في إطار تسييس المأساة الإنسانية للفلسطينيين - السوريين».
أما داريا، في الريف الغربي، فيعيش أبناؤها هاجس العودة إليها مع دخول تسويتها حيّز التنفيذ. يُعدّ الأهالي مسبقاً كل الترتيبات اللازمة للعودة. يقول عماد خولاني لـ«الأخبار»: «بدأنا بإعداد الأوراق اللازمة التي تثبت ملكياتنا: كصكوك الملكية وفواتير الكهرباء والهاتف... الخ. لكي يكون بمقدورنا الدخول فوراً بمجرد فتح الطرقات».
بينما يبدي النازحون من الغوطة الشرقية تشاؤماً كبيراً في إمكان الوصول إلى بيوتهم، بعد كل الذي جرى. يقول طالب جامعي من سقبا لـ «الأخبار»: «سنكون محظوظين إذا عدنا بعد عشرة أعوام. هذه المنطقة كتب عليها أن تبقى هكذا، طالما أن جيش الإسلام هو من يرعى شؤونها». فهذا الأخير هو «المسؤول الأول والأخير عن تعذّر أي مسعى للتهدئة أو التسوية. وسيترتب على ذلك أن مئات ألوف البشر سيحرمون العودة إلى بيوتهم إلى أجل غير مسمّى».