لا تقتصر صعوبة فهم التوجهات والمقاصد الأميركية في العراق، وسوريا في مرحلة لاحقة، على المراقبين فحسب، بل يمكن القول إن هذه الصعوبة تنسحب على جزء من الخبراء الأميركيين، ومنهم مقربون من الإدارة. مرد هذا الموقف هو معضلة واشنطن في القرار الواجب والممكن اتخاذه وتنفيذه حيال التغييرات و«الزلزال» الأخير، كما يسميه بعضهم، انطلاقا من العراق.


أي تحرك أميركي في العراق لمعالجة هذا «الزلزال» محفوف بالمخاطر، ومن شأن نتائجه أن تفيد أعداء واشنطن. والمعضلة لا تتعلق بقرار ضرب «الدولة الإسلامية» وحسب، بل باليوم الذي يلي الضربة، وما ينتج عنها من تغيير في ميزان القوى واستفادة «الأعداء الحقيقيين» في العراق منها. وفي نهاية المطاف القوة الفعلية الميدانية هي التي تفرض نفسها، لا تفعيل القوة والحضور عن بعد.
أهم الأسئلة التي يجب أن تكون مدار بحث وتحليل، هي كيف تتجه أميركا إلى إضعاف «قوة ضغط» مؤثرة ضد أعدائها، مع العلم أنها كانت حتى الأمس القريب مسموحا بها (تنظيم الدولة) وملائمة جدا للمصلحة الأميركية؟ ثم، هل تجاوزت هذه القوة حدودها وصار متعذرا ردها إلا باجتثاثها؟ وهل الخطر المتشكل منها، أي تهديد الكيان الكردي، لا يزال قائما من ناحية عملية؟
في ما يخص المصلحة الأميركية المباشرة، لا شك في أن الولايات المتحدة سارعت إلى منع الإضرار بها، وإضافة إلى عوامل أخرى، منعت «داعش» من التمدد نحو الأكراد. هذه المصلحة تحققت، لكن ما المصلحة في التدخل اللاحق؟ قد لا يستقيم التحليل إلا بالعودة إلى ما قبل «غزوة داعش» شمالا، أي بعد عدة أسابيع من سيطرة «الدولة الإسلامية» على مساحات واسعة من العراق.
من يستطِع العودة إلى تلك المرحلة، فعليه أن يسأل أهم سؤال داخل الساحة العراقية: ماذا لو امتنعت «داعش» ومن معها عن مهاجمة كردستان واقتصر هجومها على جنوب العراق؟ الإجابة غير صعبة، إذ يكفي إعادة النظر في المواقف الأميركية والغربية والاعتدال العربي، بل أيضا الكردية، لمرحلة ما قبل «الغزوة»، وذلك لاستبيان موقف الولايات المتحدة التي كانت سعيدة بحذر من كل ما كان يجري في البلاد.
كذلك كانت مواقف حلفاء أميركا في المنطقة، من عرب وغير عرب، شامتة ومسرورة جدا وتؤمل النفس بمستقبل واعد ممتد إلى ما وراء العراق. لنتذكر جيدا الشروط التي وضعتها واشنطن وحلفاؤها «المعتدلون» أمام المعسكر الآخر في العراق، أي أمام إيران وحلفائها، التي يمكن اختزالها والتصرف بعباراتها، على الشكل الآتي: نتدخل فقط، إذا تنحى رئيس الوزراء العراقي السابق، نور المالكي، صديق إيران، وجرى تأليف حكومة جديدة أقل ما يقال عنها إنها صديقة للمملكة السعودية، وبعبارة أخرى: ضرورة أن يعلن الإيرانيون وحلفاؤهم في العراق هزيمتهم واستسلامهم المسبق، قبل أن تتدخل أميركا ضد «داعش» ومن معها «لإنقاذهم من سكين الذبح».

تلكأ عدد من
حلفاء أميركا داخل المنطقة عن المشاركة في الحلف

خلال ذلك الوقت، لمن يتذكر، كانت رواية أميركا والمعتدلين العرب تتحدث عن «ثوار سنة»، لا عن «الدولة الإسلامية»، أي إن «داعش» غابت عن المشهد حتى بدأ هجومها على الأكراد. في هذه اللحظة، تغيرت المقاربة تبعا لذلك، وتغيرت هوية الثوار، وتوالت الأصوات المنادية بضرورة قتال واجتثاث الخطر على المنطقة، بل على العالم بأسره.
ما فعلته أميركا، وغيرها أيضا، كان كفيلا بإنهاء، أو الحد الكبير من، خطر «داعش» على كردستان، ونعني القصف الجوي المركز. بعد ذلك صار على الأميركيين العودة إلى نقطة البداية، أي مرحلة ما قبل «غزوة كردستان»، واستئناف التطلع إلى تحقيق نتائج الضغط على أعدائها في العراق، لكن المعطى الآخر، الأقل بروزا، كان منع الأميركيين ومن معهم من العودة إلى الأمل الابتدائي.
في المقابل، كان أداء وتحرك ما يصطلح على تسميته «محور إيران في العراق» بذكاء لافت. المحور الذي كان يفترض به أن يستسلم ويعلن هزيمته سارع إلى احتواء التهديد وتمتين موقفه الدفاعي والعمل على استعادة المبادرة الميدانية ونقل المعركة إلى المناطق التي ينطلق منها التهديد، بل في خطوة استراتيجية عمد أيضا إلى الدفاع عن المناطق الكردية وإمدادها بالسلاح والذخيرة والمقاتلين.
على هذه الخلفية، يمكن فهم أكثر من تساؤل أثير في سياق «الحرب على داعش»: استبعاد إيران من «الائتلاف الدولي»، واستبعاد نفسها هي منه، وبطء إنشاء الائتلاف وقياسه وقياس أهدافه «على المسطرة»، وتلكؤ عدد كبير من حلفاء أميركا عن المشاركة فيه، ومنهم من هم حلفاؤها في المنطقة. وبات بالإمكان فهم معنى أنه «لا استراتيجية» أميركية لمواجهة «داعش»، كما يمكن فهم تشديد واشنطن على أن الحرب طويلة وستستغرق سنوات.
هل هذا يعني أن واشنطن لن تقاتل «داعش»؟ أصل السؤال قد يصعب على بعضهم قبوله، لكنه سؤال مشروع. هل هذا يعني أيضا أن القتال إن بدأ فسيكون شاملا؟ أما هذا السؤال فهو أقرب إلى الواقع من الذي سبقه. هناك سؤال آخر: هل هذا يعني أن الحرب ضد «داعش» ستكون نسخة عن حرب أميركا ضد «القاعدة» في اليمن؟ والسؤال هنا أقرب بكثير إلى الواقع من السؤالين الأولين. على أي حال، لن تسارع واشنطن إلى ضرب «داعش» بصورة تفيد أعداء الأخيرة. فتنظيم الدولة لا ينهي العداء بين أميركا ومحورها، وإيران ومحورها. الخطر ليس داهما إلى هذا الحد. السيناريو الوحيد الذي يدفع الأميركيين إلى حرب اجتثاث، يحكى عنها، هو أن تكون في الموازاة تعد لسيناريو اجتثاث مقابل لأعدائها الآخرين في ساحة الضربات الاجتثاثية نفسها، أو على أقل تقدير، تأمين قوة بديلة موالية تحل مكانها، وفي تقدير آخر، ألا يستثمر أعداؤها الضربات.
المعنى الإجمالي أن أميركا ستقاتل «داعش» قتالا من شأنه إنهاء هذا التنظيم، بعد أن تكون في المقابل قد هيأت الميدان، وربما بما يتجاوز العراق، لقطف ثمار هذا القتال.
هل هي الآن في صدد هذه التهيئة؟ نعم، ولكن. هنا حديث التهيئة ليس عن ائتلاف يشارك في الضربات، بل بما يرتبط بتثمير نتيجة القتال ضد إيران وحلفائها فقط. وإلا فلا فائدة ترجى ولا سبب من أصل القتال إلا إن كان «تجميليا».
في الخلاصة، يشير المشهد العراقي إلى الآتي: وضعت إيران نفسها وحلفاءها في مسار الانتصار. مهمة الأميركيين في المقابل عرقلة هذا المسار ومنعهم من تحقيق انتصارهم. إن استلزم ذلك من الأميركيين ضرب «داعش»، بمستوى أو آخر، أكان كبيرا أم صغيرا، فليكن. وإلا فلا.