إسطنبول | أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في طريق عودته من الدوحة، أن بلاده على استعداد لاستقبال قادة «الإخوان المسلمين» الذين دعتهم قطر إلى مغادرة أراضيها. إعلان الرئيس الجديد ليس مستغرباً، وخصوصاً أن أعداداً كبيرة من قادة «الإخوان» المصريين والليبيين والأردنيين والسوريين، يقيمون في تركيا منذ فترةٍ طويلة. كذلك، فإن علاقة الحكومة التركية، وقادة حزب «العدالة والتنمية» الحاكم لم تقتصر على الإخوان المسلمين، بل هي شملت كلّ الحركات والتنظيمات والأحزاب ذات الطابع الإسلامي، في جميع أنحاء العالم.


وعلاقة أنقرة بهذه الجهات، لم تبدأ مع «الربيع العربي»، بل يرجع تاريخها إلى بدايات تولّي «العدالة والتنمية» السلطة نهاية عام 2002، كما تعود بعض الصلات إلى فترة حكم حزب «الرفاه» الإسلامي، بزعامة نجم الدين أربكان عام 1997، وحتى قبلها إلى علاقة أربكان الشخصية بالقادة الإسلاميين حول العالم.
وجاءت تطورات «الربيع العربي» لتدفع الثنائي أردوغان ـ داوود أوغلو إلى المزيد من «الحماسة» في العلاقة من الحركات الإسلامية، وخصوصاً «الإخوان المسلمين»، المظلّة الأم، لجميع هذه الحركات، بما فيها «العدالة والتنمية».
ومع بدايات الربيع العربي، استضافت إسطنبول المئات من الوفود الإسلامية، كما عقدت مؤتمرات وندوات إقليمية ودولية ذات طابع إسلامي، شاملةً النساء والشباب، في مسعى من أنقرة إلى تدريب وتأهيل الكوادر الإسلامية وخصوصاً المصرية والتونسية والليبية والسورية.
مساعي أنقرة كلها، تندرج في محاولة سحب البساط من تحت السعودية، حتى تتحول تركيا وريثة الامبراطورية العثمانية، في الحاضن «الديموقراطي» والإسلامي «المعتدل» للإخوان، وكل الحركات الإسلامية. وذلك تفسره المنافسة الشديدة بين تركيا والسعودية، للسيطرة على «الائتلاف السوري المعارض»، ويفسّره، بطبيعة الحال، الخلاف بين أنقرة والدوحة مع الرياض، في موضوع الانقلاب على الرئيس المصري المعزول محمد مرسي.
واحتضنت تركيا بعد هذا الخلاف عدداً كبيراً من قادة «الإخوان» المصريين، بعدما أعلن الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز «الإخوان المسلمين» تنظيماً إرهابياً، حالها حال «القاعدة» و«جبهة النصرة» و«داعش».
ومن المتوقع أن تتحول تركيا محطةً رئيسية لجميع قادة ومسؤولي «الإخوان المسلمين» من جميع أنحاء العالم، في محاولةٍ من الثنائي أردوغان وداوود أوغلو لإظهار اسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية. وهو ما يؤمن به أردوغان ويستنفر من أجله إمكانات الدولة التركية السياسية والأمنية والاقتصادية، حيث تحدثت المعلومات الصحافية أكثر من مرة عن علاقات اقتصادية ومالية متشابكة بين أردوغان وأفراد عائلته والمقرّبين منه مع رجال أعمال إسلاميين، من مختلف أنحاء العالم العربي والإسلامي، بهدف تحقيق المزيد من مصادر التمويل المالي للحركات والفعاليات الإسلامية في تركيا أو خارجها.
وسبق للزعيم الإسلامي نجم الدين أربكان أن ناشد عام ١٩٩٧ الرئيس المصري السابق حسني مبارك التعاون مع الإخوان المسلمين، فردّ عليه مبارك قائلاً: «إذا كنت تحبّهم إلى هذه الدرجة فخذهم معك إلى تركيا». كذلك، أكد الرئيس السوري بشار الأسد لوسائل الإعلام التركية سابقاً، أن أردوغان حين كان يناشده إجراء إصلاحات ديموقراطية، لم يكن يطلب منه سوى السماح لـ «الإخوان المسلمين» بالعمل السياسي الحرّ وإشراكهم في السلطة.
ولعلّ أبرز تجليات صلات أنقرة بالإخوان، هو اهتمام الحكومة بـ «الجيش الحر» والفصائل المسلّحة المقرّبة من تيار «الاخوان المسلمين»، وأكثر من أي فصيل آخر، وخصوصاً بعدما سيطر أتباع السعودية على قيادة «الائتلاف المعارض». ولم يهمل أردوغان الجانب الإعلامي لأفكاره ومشاريعه الإخوانية العثمانية، فقد خصصّ قناة « التركية» التابعة للتلفزيون الحكومي «تي أر تي»، والناطقة بالعربية لأخبار «الربيع العربي»، والحركات الإسلامية، وخصوصاً «الإخوان» في سوريا بالذات. ولم تهمل القناة ووسائل الإعلام الحكومية عموماً، الجانب العقائدي أي الإخواني لحركة «حماس» التي تبناها أردوغان منذ البداية، أولاً لكسب ودّ الشارع العربي، وثانياً لمنافسة إيران «الشيعية» الراعية لحركات المقاومة في المنطقة.