غزة | في غمرة الجدل القائم، حول عودة فصائل المقاومة الفلسطينية عموماً وحركة «حماس» على وجه الخصوص إلى مربع الممانعة من جديد، رغم قولها إنها لم تنسحب منه أصلاً، فإن أحداً لا يمكن أن ينكر عمر الصداقة الطويل بين المقاومة وهذا المحور الممتد من طهران إلى بيروت، مروراً بدمشق. صداقة قادت في نهاية المطاف إلى تحقيق نتائج إيجابية انعكست على ميدان المعركة الأخيرة ضد العدو الإسرائيلي في غزة.


أهم ما ميز تلك الصداقة أن المقاومة الفلسطينية مثلت، حتى اندلاع الأحداث في سوريا، جزءاً أصيلاً في هذا المحور لمطالبتها بإنهاء احتلال قائم على أرضها. وبرغم سحب «حماس» قدماً من سوريا بعد اندلاع «الربيع العربي» عام 2011، وإبقاء «الجهاد الإسلامي» و«الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة» على تمثيل رسمي لهما في دمشق، فإن أياً من الطرفين، الحركة وطهران، لم ينزع قدم «حماس» الأخرى من المحور، وهي حملت السلاح الذي أرسله المحور نفسه لقتال إسرائيل.أيضاً أصاب التوتر العلاقة مع حزب الله، لكن «الحرس القديم في حماس» لم ينكر جميل الحزب والنظام السوري، خاصة أنهما منحا كل التسهيلات اللوجستية والمالية والعسكرية اللازمة.
وكان يؤمل أن تعيد الحرب على غزة تشكيل خريطة التحالفات مجدداً، وهو ما دعا بعض المراقبين إلى ترجيح عودة «حماس» إلى الحلف السابق بالتزامن مع حالة الاستقطاب القطري ـ التركي لها. وما بين الخلاف على الخطاب الإعلامي الحمساوي الذي أصر على تبني فكرة «السلاح المحلي الصنع»، ثم شكْر رئيس الحركة خالد مشعل أطرافاً معارضة لمحور الممانعة، صار لزاماً البحث عن خيط أمل لإمكانية عودة العلاقة.

«الحليف الإيراني» دعم حتى وقت قريب المقاومة بالمال


قيادات «حماس» ترى أنه إن كان الحديث عن تصنيفها على أنها ضمن مربع «المقاومة والممانعة»، فإن المقصود هو «الساحة السياسية» التي تقف عليها كل الفصائل المعتنقة لمنهج المقاومة نظرياً وعملياً. هنا يجيب النائب عن «حماس» في المجلس التشريعي، يحيى موسى، بالقول، إن «فلسطين هي القضية المركزية للأمة، لهذا يجب تنحية جميع الخلافات جانباً».
يضيف موسى لـ«الأخبار»: «لا معنى للممانعة دون أن يكون القتال في فلسطين، خصوصاً أننا نواجه عدواً واحداً، لذلك يجب أن يقدم التناقض مع الاحتلال على كل التناقضات»، مؤكداً أن تحسن العلاقات «يجب أن ينسحب على كل من سوريا وحزب الله وإيران، لأن الوقوف مع فلسطين خدمة للذات».في مقابل «حماس»، تبدو «الجهاد الإسلامي» أقل تضرراً من الأزمة السورية، وهي أيضاً أكثر إصراراً على تعزيز العلاقات مع مربع المقاومة. يقول القيادي في الحركة، خضر حبيب، إن «قبول الاصطفاف في أي محاور أخرى غير الممانعة خنوع واستسلام». وشدد حبيب، لـ«الأخبار»، على ضرورة تصويب محور الممانعة من جديد و«العمل على تقويته في مواجهة العدو الإسرائيلي، لأن هذا المحور يمثل مشروع الأمة الإسلامية كلها». ورأى في الوقت نفسه أن «من يريد الفصل بين المقاومة في مختلف الأقطار له أجندة بعيدة عن مصلحة المنطقة».
في غضون ذلك، استرجع الكاتب والمحلل، مؤمن بسيسو، المقرب من «حماس»، حجم الأثر الإيجابي الذي عاد على المقاومة الفلسطينية خلال إقامتها في سوريا لسنوات طويلة، «لأن دمشق كانت الدولة الوحيدة ذات الموقع المثالي للنشاطات المختلفة ضد إسرائيل، وهو ما لا يمكن تعويضه أو حتى جزء منه في أي مكان آخر». ولفت بسيسو، في سياق حديثه لـ«الأخبار»، إلى أن حجم تأثر «حماس» و«الجهاد» بما جرى في سوريا كان أكبر من حال الحركات الأخرى «التي لا تمتلك سوى وجود محدود هناك».
ولم يخف الإعلام العبري خلال السنوات الماضية أن مغادرة «حماس» من دمشق كانت تشي بتفكك الحلف الذي يشكل خطراً على أمن إسرائيل، لكن الحرب الأخيرة شهدت تصريحات متقاطعة من أطراف المحور تفيد بأن هناك «تعاوناً وتنسيقاً ميدانياً دائماً» بين المقاومة الفلسطينية وحزب الله.
بالانتقال من الحلبة السياسية إلى الأداء الميداني، فإن الإجابة عن سؤال «كيف وصلت المقاومة إلى هذا المستوى من التطور؟»، يستجلب جبراً الإشارة إلى حلفاء المقاومة في المنطقة الذين أسهموا في مراكمة هذا النجاح وساعدوها على بناء خبراتها في المجال العسكري. ويؤكد خبراء أمنيون أن الفصائل الفلسطينية استطعت بمعاونة طهران ودمشق والحزب تطوير إمكاناتها حتى وصلت إلى القدرة على تصنيع الصواريخ محلياً.
عند هذه النقطة، يقول قائد عسكري في سرايا القدس، الجناح المسلح لـ«الجهاد الإسلامي»، إن «المقاومة بعد استفادتها من تجربة التصنيع المحلي في بداية الانتفاضة عام 2000، استفادت أيضاً من صداقتها مع سوريا وإيران، وكذلك خبرات حزب الله في الحصول على أسلحة جديدة والتدرب عليها، إلى جانب تعلم التخطيط والتوجيه والتكتيك في ميدان المعركة ووضع الاستراتيجيات».
وأشار القيادي الميداني، الذي رفض ذكر اسمه، أن الجمهورية الإسلامية على وجه الخصوص صنعت ما لم تصنعه تحالفات دولية كبرى «خاصة بعدما أمدت غزة بصواريخ فجر الإيرانية الصنع، فضلاً عن أسلحة أخرى لم تكشف كلها بعد». وجرى ذلك، وفق إفادته لـ«الأخبار»، بإيفاد عقولها الأمنية إلى تلك الدول حتى تغذيها بالدورات المكثفة.
هي النتيجة نفسها التي ذهب إليها مصدر رسمي في «حماس»، بالقول إننا «لن نهضم حق محور الممانعة في دعم المقاومة الفلسطينية، لكننا في المقابل لا نتجاهل قوتنا كمقاومة عنيدة راكمت خبراتها بدءاً من الحجر وصولاً إلى هذا المستوى من إطلاق الصواريخ المتوسطة المدى». وقال المصدر الذي رفض أيضاً كشفه هويته، إنه «ما دام هناك عدو فنحن سنستعد له على مدار الأيام، ومن حقنا على دول الممانعة أن تعيننا للقضاء على هذا العدو المشترك»، مؤكداً في الوقت نفسه أن «الحليف الإيراني» كان حتى وقت قريب يدعم المقاومة بالمال بصورة كبيرة.في المقابل، لم تكف إسرائيل عن توجيه أصابع الاتهام في أكثر من مرة إلى «ثلاثي الممانعة» بسبب دعم المقاومة في غزة وإمدادها بالعتاد العسكري، فيما أعلنت الولايات المتحدة في آذار الماضي أن أجهزتها تعاونت مع الاحتلال لاعتراض سفينة تحمل صواريخ من طراز إم 302 موجهة إلى القطاع عبر موانئ السودان، فهل تلين مواقف «المقاومين» في وجه تل أبيب وواشنطن؟