غزة | الهرب من الموت إلى الموت، هذا ما صار الغزيون يتقنونه في الأعوام الأخيرة. قلة منهم اختارت الهجرة في الحرب، لكن معبر رفح أغلق في وجوه من لا يحمل جوازاً أجنبياً يشفع له. حزم بعض المغامرين حقيبة صغيرة واتجهوا نحو نفق في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، وهو من الأنفاق اليتيمة التي لم تصل إليها يد الجيش المصري أو الإسرائيلي.


بعد المرور من تحت الأرض وتحت القصف، على «النازح» من الموت أن يتخطى الحواجز الأمنية في سيناء. حواجز تترصد إمساك أحد آتٍ من الأنفاق لتثبت رواية أن هناك من «حماس» من يقاتل مصر. ويحتاج هؤلاء إلى بضعة أيام كي يصلوا إلى شواطئ الإسكندرية بأمان. هناك يستقبلهم سمسار مصري آخر ليضعهم في قارب تبدأ معه رحلة حلمهم للتغرب في أوروبا بعيداً عن هموم السياسة والحروب المتتالية في غزة. يشرح أحد الذين يساعدون الشباب على الهرب من غزة، وهو من مدينة خانيونس أنه بعد تهريبهم عبر الأنفاق يأتي ضابط مصري يكون قد تلقى مبلغاً من المال، ثم يمضي لهم على الجواز الفلسطيني بختم مزيف حتى يظهر أنهم دخلوا بطريقة شرعية. في رفح المصرية تستقبلهم سيارة تذهب بهم إلى مدينة الإسكندرية، وفيها يبقون داخل شقة لا يخرجون منها حتى عشرة أيام بانتظار أن تحين ليلة الهجرة المناسبة للإبحار.
السفينة التي تقل الشباب على ظهرها تبحر في البحر خمسة أيام، وتنقلهم بمخاطرة شديدة إلى سفينة أخرى غيرها، وصولاً إلى إيطاليا التي يبقون فيها عشرة أيام أخرى، ثم يحضر شخص ليسألهم واحداً تلو الآخر إلى أي دولة سيذهب، ويعطيهم قائمة من الدول التي تستقبل لاجئين مثل السويد والنرويج وبلجيكا.


تكلف عملية النقل نحو 4000 آلاف دولار تدفع بعد الوصول إلى الإسكندرية
ويذكر ذلك الشاب، الذي تحفظ عن ذكر اسمه خوفاً من الملاحقة الأمنية في غزة ومصر، أن تكلفة الرحلة إلى إيطاليا 4000 دولار عبر دفعتين، وحتى يعطي الثقة للمغامرين فإنهم لا يلزمونهم الدفع إلا في منتصف الطريق، أي مدينة الإسكندرية، لكن المبلغ المدفوع لا يغطي تكاليف الطعام والسيارة، فهو يقتصر على الختم المزور والباخرة التي تقلهم. كذلك يروي أحدهم أنهم على ظهر السفينة التي تمخر البحر المتوسط كانوا يعانون قلة الأكل والماء، وتكدسهم في مكان ضيق مع انعدام اهتمام طاقم الباخرة بهم. «الأخبار» تواصلت مع أحد المقيمين حالياً في إيطاليا عبر «السكايب»، فأكد أنهم عانوا حالة إعياء شديدة في البحر ولم يتلقوا أي رعاية طبية خاصة مع ظهور أمراض جلدية عليهم، فهم حجزوا لأسبوع في مكان غير صحي قبل دخول السفينة. ويقول: «طاقم الباخرة كان يعاملنا على أننا بضاعة للنقل لا غير».
قابلنا (طه ر.) الذي قال إن عدداً من أصدقائه وخاله هاجروا أخيراً (لم يرد تحدد الموعد) من طريق الأنفاق، وبعدما تأكد من نجاح طريقتهم ها هو ينتظر فرصته. أما جميل أنور (اسم مستعار) الذي يبلغ من العمر 28 عاماً، فهو حدثنا من هاتف مهرب (حتى كتابة النص) أنه في الإسكندرية، ويترقب الضوء الأخضر من سمسار داخل المدينة حتى يدلهم على الباخرة التي ستقلهم. يضيف لـ«الأخبار»: «دمر كل مستقبلي في غزة، ومع الحرب راح لي كل شيء»، متابعاً: «وجدت خلال الحرب الكثير من الشباب هربوا عبر الأنفاق رغم الظروف الخطيرة، لكنهم الآن وصلوا إلى إيطاليا». ووفق ما أحصاه من حوله، يذكر أنور أن هناك 60 شاباً خرجوا من الأنفاق، لكن الأمن المصري ألقى القبض عليهم، وهذا ما زاد توترهم وأقلق الآخرين من إكمال الطريق.
وقد لا يجد الغزيون تبريراً لما يفعله هؤلاء، مع أن الهاربين من الحرب لم يذكروا في كلامهم أن الخوف هو ما دفعهم للهجرة، لأنهم عاشوا حربين سابقاً، لكنهم يؤكدون أن فقدان الأمل في مستقبل للعمل داخل غزة هو السبب الرئيسي لخروجهم. كذلك يذكرون أن الحرب زادت تعاطف بعض المصريين معهم، ما جعلهم يقبلون أخذ أموال مقابل إخراجهم.
وتفيد إحصاءات رسمية بأن عدد المتعطلين من العمل في غزة تجاوز 200 ألف شخص، زاد عليهم في الحرب فقدان أكثر من 700 ألف دخلهم اليومي، وكانت بيانات الربع الثاني من عام 2014 قد أشارت إلى أن نسبة البطالة وصلت إلى 45%. ونبهت إلى أنّ من الممكن ارتفاع معدلات الفقر إلى 60%، خاصة مع تفشي ظاهرة عمالة الأطفال وأزمة الرواتب الأخيرة منذ أشهر.