صار كل تصريح من حركتي «حماس» و«فتح» يفاقم الأزمة السياسية أكثر، وخاصة مع فقدان الأفق لعودة المفاوضات غير المباشرة مع الاحتلال في القاهرة، وإن كان الوفد في ظاهره متفقاً وخرج بالشروط المعروفة لوقف الحرب، فكيف لو عاد الوفد الفلسطيني غير متفق ظاهراً وباطناً؟

ومن «فتح» قال رئيس الوفد المفاوض، عزام الأحمد، إنه يشعر بالألم وهو يستمع إلى «تصريحات بعض قيادات حماس عندما يقزمون القضية الفلسطينية في قضية رواتب لعدة آلاف عينتهم الحركة بعد سيطرتها على غزة بالقوة عام 2007». وعن الورقة المصرية، لمّح الأحمد إلى أنها «واضحة وضوح الشمس»، وبناءً على ذلك «فإن حكومة التوافق غير ملزمة بدفع رواتب هؤلاء (موظفي غزة)».

كذلك شن هجوماً على «حماس» عبر لقاء تلفزيوني، وقال رداً على سؤال عن إمكانية توجه رئيس التوافق، رامي الحمدالله، إلى قطاع غزة، بالإشارة إلى ما حدث مع وزير الصحة أثناء محاولته زيارة غزة خلال الحرب. وبشأن تأثير الإشكالات بين الحركتين على إعادة إعمار غزة، أشار القيادي الفتحاوي إلى أن مؤتمر المانحين في القاهرة لن يدفع «مليماً» واحداً من دون وجود سلطة شرعية معترف بها في غزة.
على الوجه الآخر، اتهمت «حماس» رئيس السلطة، محمود عباس، بتدمير المصالحة والإدلاء بتصريحات تخدم مصالح إسرائيل. وقال المتحدث باسم الحركة في غزة، فوزي برهوم، إن «هجوم عباس استهداف إساءة للمقاومة، وتهديداته بفك الشراكة مخيبة للآمال وتحقق رغبات أميركا وإسرائيل».
في غضون ذلك، دعا وزير الخارجية النرويجي بورج برندي، الذي زار غزة أمس، المجتمع الدولي بجانب الاحتلال، إلى تحمل المسؤولية بشأن غزة «والعمل على إنهاء حصاره وإدخال مواد البناء لبدء الإعمار». وذكر برندي أنه رأى أموراً فظيعة خلال جولته في غزة، قائلاً: «نحتاج إلى حل سياسي لتأمين ألا يحدث ما حدث في 2009 و2012 والآن»، مفيداً بأنه سيزور مصر غداً لبحث ترتيبات مؤتمر إعادة الإعمار، علما بأنه حدد موعده في الثاني عشر من الشهر المقبل.
وميدانياً، واصلت إسرائيل اختراق بنود التهدئة، وذلك بإطلاقها النار على الصيادين في البحر، وقلصت مسافة الصيد المسموحة لهم من ستة أميال بحرية إلى خمسة أميال عبر تقديم أماكن العلامات المائية.
في الجانب الإسرائيلي (علي حيدر)، تداول الإعلام العبري، أمس، خبراً أسند إلى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ويشير إلى اقتراح الأخير إقامة دولة فلسطينية في غزة وقسم من سيناء المصرية. ويقول الخبر الإسرائيلي إن الاقتراح قدمه السيسي إلى محمود عباس وأضاف إليه «إقامة حكم ذاتي في الضفة إلى جانب هذه الدولة».
ووفق الخبر نفسه، اقترح السيسي مساحة 1600 كيلومتر مربع من سيناء بمحاذاة غزة، أي زيادة حجم القطاع خمسة أضعاف، الأمر الذي يمكن اللاجئين الفلسطينيين أيضاً من العودة إلى «الدولة» التي يجب أن تكون منزوعة السلاح. ولجهة السلطة الفلسطينية، يجب عليها أن تتنازل عن مطلب انسحاب إسرائيل إلى حدود عام 1967 مقابل أن يحصل عباس على تعويض إقليمي كامل، وربما أكثر من ذلك. وهكذا رأت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن هذا الاقتراح يسهل التوصل إلى حل مسألة الحدود بصورة كلية بين الجانبين.
مع ذلك، أشارت الإذاعة إلى أن عباس لم يقتنع، ورفض الاقتراح المصري رغم تأكيد السيسي أن الرفض لا ينهي الاقتراح بالاستناد إلى «أن عباس يبلغ الثمانين من العمر، ومن سيأتي بعده سيوافق». وفي المقابل، أصدرت الرئاسة المصرية والفلسطينية بيانين نفتا فيهما الحديث الإسرائيلي.
أيضاً ذكرت الإذاعة العبرية أن معلومات متوافرة لدى إسرائيل تشير إلى أن رئيس السلطة غير معني بالعودة إلى غزة، لذلك هو لا يسعى إلى بلورة قرار دولي يفرض عليه ذلك. حتى إنها نقلت عن مصادر أمنية إسرائيلية معارضتها فكرة نشر قوات دولية على المعابر الحدودية مع القطاع، وسبب الرفض «تجربة الماضي السيئة مع نشر قوات مشابهة في الشرق الأوسط».
ولا تزال حرب الروايات عن الفشل الاستخباري خلال العدوان الأخير مستمرة، وآخرها ما نشر أمس في موقع «واللا» العبري، وفيه خلاف حاد نشب في جلسة المجلس الوزاري المصغر، بين رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، يورام كوهين، وعدد من الوزراء الذين كذبوا ما نقل أخيراً على لسانه، خاصة ما يتعلق بإنجازات حققها جهازه الأمني.
وادعى رئيس «الشاباك» أنه أنذر الوزراء في شهر نيسان الماضي من حرب طويلة قد تشنها «حماس» في تموز، لكن أحداً لم يستمع إلى أقواله، فيما رد الوزراء عليه بشدة مؤكدين أن كلامه غير صحيح. وسأل هؤلاء الوزراء كيف أن كوهين لم يصر على تحذيراته ولماذا صمت عدة أسابيع قبل العدوان، رغم تنفيذ الجيش عمليات ضد حماس في الضفة المحتلة.
وخلال جلسة المشادة، قبل أسبوع ونصف، حاول كوهين ردّ ما تحقق من إنجازات ميدانية في غزة إلى الجهاز الذي يرأسه، وقال إنه زوّد الوحدات بمعلومات عن الأنفاق وتحرك قادة «حماس». الوزراء غضبوا ونفوا وجود هذه المعلومات، ومنهم وزيرة القضاء تسيبي ليفني، وأيضاً وزير الأمن الداخلي يتسحاق أهرونوفيتش. الاثنان أكدا أنهما لا يعلمان شيئاً عما يقول، و«الأكثر إيلاماً لكوهين، أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع موشيه يعلون، أكدا أن معلومات كهذه لم تعرض أمامهما».
في المقابل، أشار عدد من الوزراء إلى أن كوهين كان قد حذر في الماضي من عملية «تخريبية» قد تنفذها «حماس» عبر نفق هجومي، لكنه لم يحذر قط من مواجهة عسكرية تستمر خمسين يوماً. ووفق عدد منهم، فإن الرجل لم يعرض في جلسات الحكومة المصغرة تقييمات واقعية حتى خلال العملية العسكرية، كذلك قال المعترضون على «إنجازات كوهين» إنهم لم يتلقوا أي تحذير خلال البحث عن المستوطنين الثلاثة في الخليل بشأن أن هذه الإجراءات ستسبب حرباً كبيرة في غزة.
(الأخبار، أ ف ب، الأناضول)