غزة | على مقربة من الحدود الشمالية الغربية لقطاع غزة، وبالتحديد في بلدة بيت لاهيا التي تصنف على أنها منطقة زراعية مميزة، تلقت تلك المنطقة ما يشبه الزلزال خلال الحرب الأخيرة. هذه المنطقة أكثر من 70% من مساحتها تزرع فيها أفضل أنواع الفراولة عالمياً، وكان يجري تصديرها إلى أوروبا بصورة استثنائية عبر المعابر مع إسرائيل. اليوم حل عليها الدمار بعدما حُرقت الأراضي وطارت الأشجار التي خلعتها الصواريخ من مكانها، وقتلت معها مصدر رزق مئات الأسر.

حسن أبو جراد مزارع تضررت أرضه، وهو يعيل أسرة كبيرة من عشرين فرداً. أبو جراد (49 عاماً) كان يركز على زراعة الزيتون والجوافة وبعض الخُضر ضمن مساحة 14 دونماً.

صبيحة السابع عشر من تموز الماضي فوجئ المزارعون في تلك المنطقة بنيران القذائف المنهالة عليهم مع رشقات كثيفة من الرصاص، ولم تترك الأشجار أو حتى الأدوات التي يستخدمها المزارعون إلا دمرته. حسن فقد وحده أكثر من أربعين شجرة زيتون مثمرة كان ينتظر موسمها حتى يقطف ثمارها الناضجة ويبيعها. أما الآن فهو وعائلته وعدد آخر من جيرانهم يقطنون في مدارس النزوح.
من رفض المغادرة كان نصيبه الموت، ومن هؤلاء خال أبو جراد، وهو المسنّ محمد أبو خوصة الذي أصر على البقاء في أرضه، لكن دبابات الاحتلال مشت فوق جسده وهو مصاب بالرصاص، كما يفيد حسن، مشيراً إلى أنه لم يبق من جسد حاله إلا النصف بعد أن تفتتت قدماه تحت جنازير الدبابات.
ويتابع شهادته: «عندما رجعت في أول اتفاق هدنة بين الفصائل والإسرائيليين لأرى ما حل بمزارعنا رأيت زلزالاً ضرب المنطقة بأكملها، فلا بيوت ولا شجر سوى بقايا الأغصان المتناثرة». ويصرّ هذا المزارع ومن معه على أن الأشجار بالنسبة إليهم كأبنائهم تماماً، فهم يقضون معها عمراً طويلاً كي تنمو، وفيها أيضاً ارتباط بذكرياتهم، وخاصة «الزيتون» الذي يرمز إلى الأرض الفلسطينية والتمسك بها.
ورصد بعد الحرب ارتفاعاً في أسعار الفواكه والخضروات داخل القطاع بنسبة 30% بسبب الخسارة الكبيرة التي تعرضت لها الثروة الزراعية في غزة، فضلاً عن أن من بقيت له أرض يعاني من انقطاع المياه وغياب السماد في الأسواق، ما يؤثر أيضاً في جودة المنتجات الباقية. ويشكو المزارعون من أنهم يقعون في آخر جدول التعويضات، وخاصة أن الأولوية لأصحاب البيوت المهدمة، بل يقولون إن هناك تعويضات وعدوا بها منذ عدوان عام 2008 ولم يحصلوا عليها حتى اليوم.
في المقابل، أوضح المدير العام للتخطيط والسياسات في وزارة الزراعة في غزة، نبيل أبو شمالة، أن الحصار الذي لا يزال مفروضاً على القطاع «جريمة حرب» بسبب آثاره الكبيرة على كل قطاعات الحياة، «وعلى وجه الخصوص على الاقتصاد الزراعي». وتابع قائلاً: «الحصار شل نمو القطاع الزراعي رغم الجهود التي بذلتها الوزارة والمزارعون، وها هم يتعرضون لخسارة كبيرة».
وذكر أبو شمالة أن دخل الصادرات قبل الحصار من الخضروات والزهور والتوت الأرضي كانت 40 مليون دولار سنوياً، «لكنه تقلص ليصل إلى أقل من 4 ملايين سنوياً». ولفت أيضاً إلى أن فرض الاحتلال المنطقة العازلة في الأراضي الحدودية سبّب خسارة القطاع 20 ألف دونم من الأراضي الزراعية «الأمر الذي يقود في النهاية إلى زيادة البطالة وقلة الإنتاج».