نيويورك | بدأت قضية البنك العربي عندما رُفعت دعاوى في المحكمة الأميركية قبل عشرة أعوام من قبل ٢٩٧ إسرائيلياً يطالبون فيها بتعويضات عن الأضرار التي لحقت بهم جراء الهجمات التي قام بها فلسطينيون على أهداف إسرائيلية في النصف الأول من العقد الماضي. يدّعي هؤلاء أن المصرف كان يتولى نقل الأموال لحركة «حماس». طلب البنك العربي من المحكمة العليا في نيويورك إعادة النظر بأمر صدر عن محكمة اتحادية يفرض عليه قصاصاً لعدم تقديم وثائق سرية عائدة لمودعيه وزبائنه.


صدر الأمر بفرض الغرامات عن القاضية في محكمة المقاطعة نينا غيرشون. ردّ المصرف بأنه لا يستطيع تلبية طلبات السلطات الأميركية ما لم يخرق القوانين الأردنية التي يتحمل من يخرقها غرامات جزائية أيضاً. وقال إن حكم القاضية نينا غيرشون يعني أن المصارف الأجنبية بأسرها معرضة لنفس النمط الاتهامي المهلك. فالمدعي يستطيع أن يطلب من أي مصرف أجنبي تقديم كل كشوفات زبائنه، وبالتالي إذا رفض المصرف يتعرض لعقوبات حتمية.
استأنف البنك العربي العقوبة لدى المحكمة العليا، لكن الاستئناف سقط في مطلع شهر تموز الماضي. وطلب الأردن من الرئيس باراك أوباما المساعدة بالتوصية لدى المحكمة العليا، لأن تعيد القاضية غيرشون النظر في حكمها، ودعمت الخارجية الأميركية الاستئناف. لكن وزارة العدل رأت أن قرار غيرشون مفيد من أجل إزالة السرية المصرفية على مستوى العالم.
يحاكم المصرف اليوم تحت «قانون الإرهاب» الصادر عام ١٩٩٠ في محكمة بروكلين في نيويورك. تتضمن التهمة مساعدة البنك العربي لـ«حماس» على ثلاثة مستويات. يتمثل المستوى الأول في نقل أموال قدمتها لجنة سعودية إلى ٥٥ من ذوي الفلسطينيين الذين نفذوا عمليات استشهادية.


يحاكم المصرف
اليوم تحت «قانون الإرهاب» الصادر عام ١٩٩٠

المستوى الثاني يتمثل في أن المصرف كان يحتفظ بحسابات لعشرات الجمعيات الخيرية التي يقول رافعو الدعاوى الإسرائيليون إنها كانت مجرد واجهات لحركة «حماس». والدليل الثالث المقدم أن المصرف كان يقدم حسابات شخصية لثلاثين من قادة «حماس» على رأسهم الشيخ الراحل أحمد ياسين الذي صنفته الولايات المتحدة «إرهابياً» منذ عام ١٩٩٥، وللقائد الراحل صلاح شحادة، مؤسس الذراع العسكرية للحركة. وبحسب الادعاء، كان المصرف يعرف صلة هؤلاء بالحركة المصنفة «إرهابية» على اللوائح الأميركية.
ينفي البنك العربي التهم، ويقول إن ما من حساب فتح لشخص كان على لوائح «الإرهاب» الأميركية، وإن الاستثناء الوحيد كان على شكل تحويل واحد لحساب الشيخ أحمد ياسين، وحصل كخطأ ارتكبه موظف. أما التحويلات من اللجنة السعودية، فقد حصلت من ضمن آلاف التحويلات التي قدمتها المجموعة للأسر المتضررة، وبالتالي طابعها إنساني. ترفض المحاكم الأميركية أي دفاع يقدمه البنك العربي يستند إلى أن ما حصل ناجم عن مراعاة القوانين المحلية في الدول التي يعمل ضمنها، أو لأن الهجمات وقعت ضمن سياق تاريخ من العنف مرت به المنطقة لا يتحمل المصرف المسؤولية عنها.
قدم الطرف الإسرائيلي عشرات الشهود، من بينهم مسؤول سابق في الجيش الإسرائيلي جلس أمام محكمة مقاطعة مانهاتن، وقال إن المصرف الأردني حوّل ملايين الدولارات لذوي من وصفهم بـ«الإرهابيين الانتحاريين» من حركة «حماس»، أتت من السعودية ومن «مؤسسة الشهيد» التابعة لـ«حزب الله» خلال الفترة الممتدة بين عام ١٩٩٨ وعام ٢٠٠٤ مع تركيز الإثباتات على الفترة الممتدة بين عام ٢٠٠١ وعام ٢٠٠٤. وكانت المدفوعات تصل شهرياً من اللجنة السعودية بمعدل ١٤٠ دولاراً لكل أسرة.
ردّ دفاع البنك العربي بأنه لا يوجد أي إثبات بربط التحويلات بالعمليات المعادية لإسرائيل، محذراً من خطورة هذه القضية التي تلقي على عاتق كل موظف في المصارف في أي مكان من العالم المسؤولية في التحري عن كل صغيرة وكبيرة قبل إتمام أي معاملة أو تحويل. وقال المصرف في بيان توضيحي إن القضية مهمة للغاية بالنسبة إلى النظام المصرفي العالمي الذي يتعامل بتريليونات الدولارات في المعاملات والتحويلات يومياً. معظم هذه التحويلات تجري بشكل آلي «وإذا ما تم الأخذ بنظرية المدعي من قبل المحكمة، سيقوّض نظم الامتثال التي تطلب الجهات الناظمة على مستوى العالم من البنوك تطبيقها، وأن تخلق غموضاً كبيراً ومخاطر على النظام المالي العالمي بأكمله».

في سير القضية

قال الشاهد الإسرائيلي روني شاكيد، إن «حماس» كانت مسؤولة عن كل من الهجمات الـ٢٤ المعروضة أمام المحاكمة. وبحسب صحيفة «جروزاليم بوست» الإسرائيلية، فإن هذا الشاهد صحافي عمل سابقاً ضابط استخبارات إسرائيلياً.

من المتوقع أن يقدم البنك العربي ٢١ شاهداً على رأسهم المدير العام للمصرف

من جهته، قال شاهد ادعاء آخر يدعى آريه دان سبيتزين، إن ١٨ من عناصر «حماس» كانوا معروفين من قبل موظفي فرع البنك العربي في غزة، وهناك احتمال عال لأن يكونوا قد تلقوا آلافاً بل مئات آلاف الدولارات من تحويلات البنك العربي.
وركز الادعاء على أن القرينة تبقى على المصرف الذي يرفض تقديم كشوفات حسابات الأشخاص المنتمين إلى «حماس» للمحكمة.
كان دفاع المصرف يستند إلى أن المدعين يستخدمون قوانين وأدلة إسرائيلية في دعواهم، بينما المصرف يمنع من أن يستخدم في دفاعه القوانين المرعية الإجراء في مناطق نشاطه في الأردن أو لبنان، التي تتضمن نظام السريّة المصرفية. وأكد أن المحاكمة تبنى على معايير مزدوجة.
المحكمة استمعت إلى ٢٤ إفادة لشهود إسرائيليين، ومن المتوقع أن يقدم البنك العربي ٢١ شاهداً، على رأسهم المدير العام للمصرف نفسه. ومن المتوقع كذلك أن يطعن المصرف بحيادية القاضي برايان كوغان الذي وصف اعتراضاً قدمه الدفاع بأنه «مهزلة»، ثم عاد وأيد الاعتراض من دون الرجوع إلى المحلفين.
إذا نجحت المحاكمة الأميركية للبنك العربي، فسيعني ذلك حتماً إفلاس المصرف، الذي قد يضطر إلى دفع مليارات الدولارات. وهو ما يعني أيضاً انتكاسة ليس للمصرف وحده بل للاقتصادين الأردني والفلسطيني. فالتوقعات أن تتدفق الدعاوى بالآلاف من قبل الإسرائيليين. كذلك فالنتيجة قد تضطر الدول العربية إلى فتح كل أسرارها المصرفية للقضاء الأميركي خشية تعرض مصارفها لدعاوى مماثلة. وهذا قد يعني أيضاً هروب الرساميل منها وإفلاسها والمثل السويسري غير مشجع للصمود أمام الضغوط الأميركية وحتى الأوروبية.




المثل السويسري

بدأت سويسرا قبل أسابيع التخلي عن سياسة السرية المصرفية التي اتبعتها منذ عام ١٧٩٦ بعدما تقرر أن يقدم «لومبارد أودير» و«بيستت»، وهما من أكبر المصارف السويسرية، كشوفات كاملة بالحسابات لديهما.
ويمتلك المصرفان ودائع تحت إدارتهما تصل قيمتها إلى ٦٣٠ مليار دولار. وجاء القرار بعد تعرض المصرفين للتحقيق السويسري بتهمة مساعدة أميركيين وأوروبيين على التهرب من دفع الضرائب.
وبعد تردد طويل، وافقت سويسرا في تشرين الأول الماضي على توقيع معاهدة مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لتبادل البيانات بين ٦٠ دولة عضواً فيها، منها ألمانيا وفرنسا، بهدف تعقب المتهربين من دفع الضرائب. وكانت الولايات المتحدة قد هددت سويسرا بفرض غرامات بمليارات الدولارات على مصارفها إذا لم تسمح بالمزيد من الشفافية في نظامها المصرفي.
وأقفل مصرف «ويغيلن أند كو» السويسري أبوابه بعد إقراره بأنه ساعد أميركيين على التهرب من الضرائب، وجرى تغريمه بدفع مليار ومئتي مليون دولار. كذلك اتهم مصرف «كريدي سويس» في شهر شباط الماضي من قبل مجلس الشيوخ الأميركي لأنه يحتفظ بـ١٢ مليار فرنك سويسري لأكثر من ٢٢ ألف زبون أميركي. وكان مصرف «يو بي أس» قد اعترف في عام ٢٠٠٩ بأنه يساعد ٥٢ ألف أميركي على التهرب الضريبي.