رفح | تحمل الحرب على قطاع غزة مآسي كبيرة، وما لا يخطر على بال. فمن أشلاء الجثث التي تختلط ببعضها البعض، إلى الشهداء الذين لم يبق من عائلاتهم أحد ليدفنهم، ولا تزال غزة حبلى بقصص مأسوية أخرى تتكشف فصولها شيئاً فشيئاً. في مدينة رفح جنوب القطاع، وهي التي سجل اسمها ضمن أكبر ثلاث مجازر شهدتها هذه الحرب، عجز الأطباء وعشرات المواطنين عن التعرف إلى هوية جثث تسعة شهداء، فمرت خمسة عشر يوماً ولا تزال هذه الجثث تقبع في ثلاجة الموتى داخل مستشفى الهلال الأحمر الإماراتي في حي تل السلطان غرب المدينة.


هذا المستشفى متخصص في أمراض النساء والولادة، لكن القائمين عليه اضطروا إلى استقبال هذه الجثث بعد استهداف المستشفى الرئيسي في رفح، أبو يوسف النجار، بعدة قذائف من دبابات الاحتلال.
رجحت المصادر الطبية أن تكون هذه الجثث لعائلة كاملة قصف منزلها من دون سابق إنذار أثناء الاستهداف العشوائي للمنطقة الشرقية لمدينة رفح قبل الهدنة الأخيرة، وتحديداً حينما أعلن العدو فقدان ضابط من الجيش هناك.
يقول المدير الطبي والقائم بأعمال المستشفى الإماراتي، الطبيب عبد الرازق الكرد، إنه بعد إجلاء جثامين الشهداء التي توالت على مستشفى النجار، اضطرت وزارة الصحة إلى وضع هذه الجثامين داخل ثلاجات المزارعين والخضروات، وخاصة أن ثلاجة الموتى في المستشفى الإماراتي لم تعد قادرة على استيعاب العدد الكبير من الشهداء.
واستدرك في حديثه إلى «الأخبار» بالإشارة إلى أنه عند سريان التهدئة، حضر ذوو الشهداء ليتعرف كل منهم إلى أقربائه وأبنائه، «لكن بقي تسعة أفراد من الأطفال والنساء والرجال لم يتعرف أحد إلى هويتهم، وكانوا موزعين بين ثلاجات المزارعين، وبعد دفن العدد الأكبر من الشهداء جمعنا هذه الجثث داخل ثلاجة الموتى».
وذكر الكرد أن «الصحة» أعلنت عبر وسائل الإعلام وجود تسعة جثامين في المستشفى، «كما تحدثنا مع كثيرين لمعاينة الجثث والتعرف إليها، وخاصة من فقد أحداً ولم يجده، لكن كل من أتوا لم يستطيعوا التعرف إليهم، بل لم نقدر على تحديد المكان الذي جلبوا منه بسبب الأعداد الكبيرة التي وصلت الى المستشفى من أماكن مختلفة في رفح».
أما الطبيب كمال الشاعر، ورغم أنه استشاري في أمراض النساء والولادة في المستشفى نفسه، فتحمل مسؤولية نقطة الإسعاف خلال الثاني من آب الجاري حتى انتهاء حالة الطوارئ مع حلول الهدنة الماضية، وكان أول يوم له هو اليوم نفسه الذي ارتكبت فيه مجزرة رفح. مع ذلك، يشرح لـ«الأخبار» أنهم عملوا على علاج الحالات الصعبة التي وصلت الى المستشفى، رغم أنه تخصصي وليس من مهماته علاج الإصابات الناتجة من الحرب.
يضيف الشاعر: «أخذنا التدابير اللازمة وأعطيت الأوامر ببقاء الكادر الطبي طوال الحرب، وأذكر جيداً أننا استقبلنا تسعة أشخاص كأنهم من عائلة واحدة، ولم نستطع التعرف إليهم حتى في الهدنة».
بعد مرور أسبوعين، ذكر الشاعر أن النيابة العامة كلفته بقرار رسمي دفنهم إكراماً لهم، لكنه في الوقت نفسه دعا وسائل الإعلام إلى نشر صورهم «حتى يتمكن أحد من التعرف إليهم»، علماً بأنهم دفنوا داخل مقبرة جماعية في تل السلطان.
وعن حال الجثث التسع، أخبر مصدر أمني من داخل مستشفى الهلال الإماراتي أن الشهداء وصلت أجسادهم محروقة ولم نميز الذكر من الأنثى، «لكن ملامحهم تشبه بعضها بعضاً»، وكانوا آتين من منطقة الشوكة شرق رفح وانتشلوا من عدة منازل، ما صعّب معرفة البيت الذي قصف وكانوا فيه.
رغم ذلك، كان تشييع هؤلاء الشهداء أول من أمس كبيراً، وشارك فيه المواطنون والنازحون من بيوتهم في تعبير عن التضامن والمواساة، في ظل غياب قرابة لهؤلاء التسعة المجهولي الهوية.