رام الله | يبحث من نجا من أيام الحرب على غزة بين الركام عن بقايا أحبّتهم، ويُرجئون التفكير في تحديات المستقبل القريب كعودة الأطفال إلى المدارس، واقتراب فصل الشتاء، وكيفية تدبر ما تبقى من مدخراتهم. لكن الحال ليست نفسها بالنسبة إلى «اللاعبين» الرئيسيين في الحرب الأخيرة على غزة (حماس ورئيس السلطة محمود عباس ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو)، إذ ليس في إمكانهم إرجاء التفكير في تحديات ما بعد الحرب وإعداد العدة لها.


فلسطينياً، المقاومة، وخصوصاً حركة «حماس»، أمام اختبارات أصعب من تلك التي واجهتها في الميدان، فبعد ارتفاع أسهمها في الشارع الفلسطيني، عليها أن تحافظ على صورة الند لإسرائيل في المفاوضات، وهي صورة خلقتها في الحرب. هو أمر لن يكون ممكناً إلا إذا نَجَحَت الحركة في تحقيق إنجازات بحجم التضحيات. وتكمن التحديات الأصعب في ثنايا تفاصيل هذه الإنجازات، وأهمها فتح معبر رفح، لكن هذه القضية مرهونة بيد مصر التي تتفق مع إسرائيل على ضرورة القضاء على قوة «حماس»، ولم يخفَ أنها رأت في الحرب الإسرائيلية على غزة فرصة للإمعان في الانتقام من «بقايا الإخوان» حتى لو كان ذلك على حساب كل قطاع غزة وليس «حماس» فقط.
أحسنت «حماس» بتخليها عن جزء من الأنانية السياسية، إذ ذهبت مع فصائل المقاومة إلى القاهرة في عباءة المنظمة، فأصبح من الصعب على مصر التعامل مع المطالب الفلسطينية على أنها «حمساوية». إضافة إلى ذلك، فإن وصول عدد أكبر مما طلب من قياداتها إلى القاهرة هو اختراق للتشنج المصري تجاه الحركة، لكن يبقى عليها مستقبلا أن تتجنب استفزاز القاهرة أو حتى الاقتراب من شؤونها الداخلية، وأن تبني العلاقة معها على قواعد غير أيديولوجية لتتجنب وبال عواصف نظامها السياسي المتقلب.
في المقابل، فإن تحقيق إنجاز على جبهة معبر رفح يحتّم على حماس قبول عودة محمود عباس وسيادة السلطة إلى القطاع، وهي عودة فرضتها ظروف الحرب الأخيرة، وقد تكون فرصة حقيقية للعمل المشترك للسلطة والحركة معا على الملفات الشائكة وأهمها إعادة إعمار غزة.
عباس الذي فقد الكثير من شعبيته بسبب التزامه الصمت في بداية الحرب، وتصريحاته «المتعاطفة» مع المستوطنين المخطوفين في الخليل قبلها، استطاع استدراك الأمر بإعلانه دعم غزة بما فيها المقاومة، كما وجد في مفاوضات القاهرة التي يرأس عزام الأحمد وفدها الفلسطيني المفاوض فرصة لترميم مكانته في الرئاسة واستعادة غزة ولو شكلياً. وقد نجح في تجنب الانتقادات الشعبية والسخط على الأجهزة الأمنية حتى إن كان ذلك بصورة جزئية.
مع ذلك، يبقى الاختبار الأصعب الذي سيواجهه هو العلاقة المستقبلية مع «حماس» التي اكتسب سلاحها «قُدسية شعبية» لن يستطيع الاستخفاف بها كما دأب في السابق. وسيكون لزاماً عليه إيجاد صيغة لقبول الأمر الواقع إذا أراد الاستمرار بالشراكة مع «حماس»، كما يجب عليه إيجاد طريقة مقبولة بشأن حل قضية السلاح مع إسرائيل ومصر.
حالياً، فإن إعمار غزة ملف ثقيل جداً في انتظار عباس، وينتظره العمل الكثير مع الدول العربية والأجنبية، فخسائر الحرب تكبدها المواطنون في غزة أكثر من الفصائل نفسها، كما لا يمكن تحميل المقاومة المسؤولية عن الدمار.
على جانب آخر، يواجه بنيامين نتنياهو يواجه الوضع الأصعب بين سابقيه، فهو لم ينتصر ولم يحقق أهدافاً عسكرية أو سياسية، بل وجد نفسه بعد حوالي شهر من المعارك مجبراً على التفاوض مع المقاومة بدلاً من القضاء عليها، بل قد يضطر إلى تقديم تنازلات بشأن الحصار والمعابر، وهي أمور ما كان سيُقدِم عليها لو لم يرغم. أيضاً تبقى مهمة صعبة أمامه هي التفاوض بشأن الجنود المأسورين أو جثثهم، وهو ملف سيُذكّر الإسرائيليين كل يوم بخطأ نتنياهو الفادح عندما قرر شن الحرب على غزة.
الحكومة الإسرائيلية تنتظر رئيسها بأسئلة صعبة عن جدوى الحرب، وعن الفشل الاستخباراتي لتقدير حجم الأنفاق وأثرها وسلاح المقاومة ومقاتليها، كما عليه أن يبرر بعد كل ذلك الميزانيات التي سيطلبها لدعم الجيش. وسيكون مطلوباً منه أيضاً أن يُقنع سكان مستوطنات الجنوب خصوصاً «ناحال عوز» بالعودة إليها بعد أن هجروها تماماً، وأن يقدم الضمانات لهم بعودة الهدوء، وهو أمر لا يمكن أن يُقنعهم به ما دام سلاح المقاومة موجوداً.
مهما كانت كيفية ونتائج اجتياز كل من اللاعبين الرئيسيين الثلاثة اختباراتهم، فإن من الواضح أن الحرب أحدثت تغييرات كثيرة على أدوارهم وقواعد أدائهم، وحتماً سينعكس كله على نتائج جولاتهم بل مستقبلهم السياسي.