غزة | يرفض المواطن فايز عليان الذي لجأ إلى مدرسة ذكور جباليا شمال قطاع غزة، بعدما صارت مركزا للإيواء، أن يبرح المدرسة حتى يجد مسكنا آخر بديلا، ولا سيما أنه تبين للرجل أن بيته لن يعمر سريعا بعد تدميره كليا خلال الحرب.


الرجل مثله مثل آلاف هربوا من القذائف التي طاولت محيط منازلهم في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وأثناء جلوسه على المقعد الدراسي، بث المذياع نبأ بدء العام الدراسي في غزة والضفة المحتلة وذلك في موعده المقرر (24 الشهر الجاري). فقفز الرجل عن المقاعد وصرخ: «أين سنذهب إذا استمرت هذه الحرب؟.. هل سيلقون بنا في الشوارع!».
هذا القرار لم يثر الاستياء في أوساط النازحين المهدمة بيوتهم فحسب، بل شكل حالة من الإحباط بالنسبة إلى مئات المعلمين وآلاف الطلبة الذين فقدوا أفراداً من أسرهم، فضلا عن عجز وزارة التعليم ووكالة الغوث «الأونروا» في غزة عن بدء المسيرة التعليمية، نتيجة التدمير الكلي أو الجزئي الذي أصاب مئات المدارس، وفق تقديرات الوزارة.
قد يبدو من وجهة نظر بعضهم أن قراراً من هذا النوع يزيد الهوة الإنسانية بين غزة والضفة، فضلا على الهوة السياسية التي لم تجسر حتى بتأليف حكومة التوافق الوطني في حزيران الماضي، وذلك على ضوء رفض رئيس الوزراء رامي الحمدالله دفع رواتب الموظفين الحكوميين، الذين عيّنتهم حكومة حماس السابقة، ويزيد عددهم على 45 ألف موظف. هؤلاء اليوم يمثلون جزءاً كبيراً من الطواقم الطبية والإغاثية التي تعمل في غزة، وهم لم يتلقوا رواتبهم منذ شهور.


أعلنت رام الله بدء
العام الدراسي في موعده دون مراعاة ظروف غزة


وعبّر محمد أبو السعيد، وهو مدير مدرسة حكومية في غزة، عن استغرابه الشديد لإبقاء وزيرة التربية والتعليم في رام الله موعد بدء العام الدراسي كما كان مقررا، ورأى في ذلك تجاهلاً لمعاناة الناس وآلاف الطلاب في القطاع.
وقال أبو السعيد لـ«الأخبار»: «هذا القرار يتطلب دراسة الوضع الإنساني بداية، وايجاد آلية لاستيعاب الطلبة الذين هدمت مدارسهم والأخرى التي تضررت جزئيا، لكن إعلان ذلك فجأة دون العودة إلى القائمين على التعليم في غزة أمر معيب». وفضلاً على أن أحدا لا يعرف مصير الحرب، وهل يمكن أن تتوقف كليا اليوم، فإن آثار الحرب تحتاج إلى وقت لمعالجتها بصورة مبدئية. في السياق، قالت مصادر عليا في «التعليم» في غزة، لـ«الأخبار»، إنه «لا يمكن في حال من الأحوال قبول الاشتراطات التي تفرضها الوزيرة خولة الشخشير، بل هي تنم عن سوء تقدير لأحوال المواطنين الذين يعانون الأمرين على وقع القصف والتدمير». وأكدت المصادر أن هناك اتصالات مع رام الله من أجل ثنيها عن قرارها بدء العام الدراسي في الرابع والعشرين من هذا الشهر، مشيرة إلى أن الهيئات العليا في وزارة التوافق تضرب عرض الحائط بمفاصلها الحيوية في غزة، «بما في ذلك ما يتعلق بالمساعدات وحتى الرواتب».
أما وكيل الوزارة في غزة، زياد ثابت، فأكد أن بدء العام الدراسي مرهون بمجريات التصعيد، وما ستؤول إليه الأمور خلال الأيام المقبلة، مؤكداً أن مباحثات وقف النار «لم تفض إلى نتائج من شأنها أن تسعفنا في دراسة الأوضاع التعليمية وإخلاء المدارس من النازحين، وتهيئة الفصول المدرسية».
وقال ثابت لـ«الأخبار»، إنه أجرى اتصالات مع أركان الوزارة في الضفة على مستوى الوكلاء والوكلاء المساعدين، وأطلعهم على استحالة تنفيذ قرار بدء العام على ضوء العدوان وآثاره. وأوضح أنه هناك شبه انقطاع بين مقري وزارة التعليم في غزة والضفة خلال المرحلة الماضية، «لكن أوضاع التصعيد أجبرت الطرفين على فتح قنوات اتصال». ولفت وكيل الوزارة إلى أن الاتفاق يتمحور حول أن يرهن بدء العام الدراسي في غزة بتوقف العدوان بداية، «وحل مشكلة المواطنين النازحين المقيمين في نحو 120 مدرسة، إضافة إلى توفير الموازنة التشغيلية حتى تتمكن كوادر وطواقم الوزارة من تنفيذ مهماتها».