القاهرة | يمرّ محمود عبد الرحيم أمام مسجد «رابعة العدوية» في مدينة نصر، يومياً، قاصداً منزله داخل أحد الأبراج السكنية المتوسطة المواجهة للمسجد. لم يكن والد محمود يعلم أن الشقة التي اشتراها بعد سنوات عمل في الكويت، ستشهد على أحد أبرز أحداث التاريخ المصري الحديث، إذ إن وجود الشقة مقابل مسجد «رابعة» جعل محمود، ابن الخامسة عشرة، يتذكر جيداً تفاصيل ما حدث قبل سنة.


مرّ عامٌ على تدخّل قوات الشرطة والجيش لفضّ اعتصام أنصار الرئيس محمد مرسي بعد نحو 45 يوماً على عزله. يستعيد محمود أحداث ذلك اليوم الذي لا يزال عالقاً في ذاكرته، ويقول «كان والدي يقوم بتجهيز شقة مستأجرة لننتقل إليها بسبب الاعتصام والمضايقات التي تعرّضنا لها وخوفه من أن يؤثر الفضّ علينا»، مضيفاً «لكن قرار الفض كان قبل انتقالنا بيوم واحد فقط إلى الشقة الجديدة التي استأجرها والدي لأشهر عدة».
يصف محمود «يوم الفض» قائلاً «لم ننم في تلك الليلة، كنت أتابع ما يبث على شاشة التلفزيون وأقف عند شرفة المنزل، حتى بدأت قوات الأمن إطلاق قنابل الغاز والرصاص، وعلى الرغم من وجود مسافة أكثر من 500 متر بين تمركز الأمن ومنزلنا، أغلقنا النوافذ».
اضطر محمود وأسرته المكوّنة من والده المهندس الأربعيني ووالدته المدرّسة وشقيقته التي لم تكمل عامها العاشر بعد، إلى الجلوس في غرفة واحدة، منذ السادسة صباحاً. لم يتحركوا خلال ساعات طويلة إلا مرات معدودة، للضرورات القصوى، قبل أن يتمكنوا من فتح شرفة منزلهم عند منتصف الليل ليشاهدوا آثار الدمار الذي لحق بالميدان.
«لم أستطع التنفس لدقائق عدة بعد فتح النافذة، لذلك أغلقتها مجدداً ولم أفتحها إلا في صباح اليوم التالي، حين اختلف المشهد تماماً»، يقول محمود قبل أن يوضح: «بدلاً من الحشود التي كنت شاهدتها آخر مرة، وجدت سيارات للأمن المركزي ومدرّعات الشرطة تطوف الشوارع التي امتلأت بالجثث». تلك الليلة لم تكن عادية بالنسبة إلى محمود وعائلته الذين لم يتمكّنوا من النوم من شدة الخوف، لكن وجودهم في الدور السابع أبعدهم قليلاً عن الخطر والضرر الذي لحق بقاطني الأدوار السفلى.
في كل مرةٍ يمرّ فيها محمود أمام المسجد، يتذكر الاعتصام والخراب الذي لحق بالمنطقة، لأيام عدة، قبل أن تقوم قوات الأمن بإعادة تأهيلها. غير أنه لم يتمكّن من نسيان مشهد الدم وصور الجثث الملقاة على الأرض في اليوم التالي من عملية الفض، وهو على الأرجح لن يتمكّن من إزالتها من ذاكرته أبداً.
لا تخلو الشوارع القريبة من مسجد «رابعة» من سيارات الشرطة والمدرعات العسكرية التي تحيط به على مدار الساعة، في نوبات متعاقبة ثابتة ومتحركة. يحاول الأمن منع أي محاولات جديدة للاعتصام في المكان نفسه. في هذا الوقت، لا تزال عبارات تأييد محمد مرسي على الجدران، على الرغم من قيام الإدارة المحلية بطلائها أكثر من مرة. غير أن عودة أنصار مرسي لكتابتها في كل مرّة، تجعل من زوالها بصورةٍ كاملة مهمة شاقة.
مسجد «رابعة العدوية» الذي أعيد بناؤه على نفقة القوات المسلحة المصرية بعد تدميره خلال عملية الفضّ واحتماء المتظاهرين في داخله، لم يستطع أحد أداء الصلاة فيه منذ عام، حيث كانت آخر صلاة في داخله يوم الفض. بعد ذلك التاريخ، بات المسجد أشبه بـ«مشرحة» كبيرة لجثث مئات الضحايا الذين سقطوا برصاص الأمن.
منذ ذلك الحين، أغلق الجيش المسجد الذي شُيِّد عام 1993. ترفض الحكومة عودة الحياة إليه، خوفاً من تجدّد الاعتصام داخله. حتى إن محاولات الوصول المتكررة إلى المسجد من طلاب جامعة الأزهر باءت بالفشل، في وقتٍ تحشد فيه «الجماعة» لتظاهرة جديدة تصل إلى الميدان الذي شهد واحدة من أكبر عمليات القتل الجماعي في العصر الحديث.