نابلس | على أحد الأسرّة داخل قسم الجراحة في مستشفى النجاح في مدينة نابلس شمال الضفة المحتلة، تتمدّد الطفلة وئام الأسطل (9 سنوات)، الآتية من خانيونس جنوبي قطاع غزة. يدا الطفلة تغطيهما أنابيب المغذيات وتحيط بها الأجهزة. كانت عيناها ترمشان بكسل لأنها تحت تأثير المهدئات التي يحاول الأطباء عبرها تسكين آلامها بعد بتر ساقها اليسرى من منطقة الركبة، أما اليمنى فوضعت فيها وصلة بلاتين في الفخذ، وعُولج كذلك كاحلها من كسر.


والدها الأربعيني، يرقد على سرير مجاور ويعاني تهشماً في عظام ساقه اليسرى ورضوضاً مختلفة في جسده. والاثنان أصيبا معاً، لكن الاحتلال فرقهما في بداية تحويلهما للعلاج في الضفة، إذ فوجئ الوالد على حاجز «إيريز» بأنه سيذهب إلى مستشفى سان جوزيف في القدس، وهي إلى «النجاح»، قبل أن يجتمعا مجدداً في الأخير بعد خمسة أيام.
يروي الأب لـ«الأخبار» أنه صعد في الحادي والعشرين من الشهر الماضي إلى سطح منزله لإصلاح هوائي التلفاز كي يتابع الأخبار، وكانت معه وئام وعدد من أطفال أقربائه الذين ملّوا البقاء داخل الشقة. «فجأة قصفتنا طائرة استطلاع وأصبنا جميعاً ورأيت وئام قد بترت ساقها والأخرى كانت مفرومة».
وتوضح مصادر طبية أن 26 جريحاً من غزة يعالجون حالياً في مستشفى النجاح بعد تنسيق دخولهم إلى الضفة من طريق مؤسسات الصليب الأحمر وحقوق الإنسان والارتباط الفلسطيني. ويقول مسؤول العلاقات العامة وعلاقات المرضى في «النجاح»، حسن قمحية، إن المستشفى أعلن منذ بداية العدوان أنه يستطيع استقبال جرحى العدوان، «بل أبلغنا الجهات المعنية بإرسال أكبر عدد، فلدينا كفاءات وقدرات طبية ممتازة».


مجموعة
من الجرحى ستترك إصاباتهم إعاقات
لديهم للأبد


ويشرح قمحية لـ«الأخبار» أن الحالات التي وصلت كانت ما بين متوسطة الخطورة إلى خطيرة جداً، «وهناك أربع حالات لا تزال في العناية المركزة، فيما الغالبية بترت أعضاؤها كما وصلنا أطفال وكبار سن».
وبرغم أن جرحى غزة تلقوا ما تلقوه من حقد الاحتلال على أجسادهم، فإن وحشيته تلاحقهم خلال وجودهم في الضفة. إحدى مرافقات المصابين هي أم لطفل يرقد في العناية المركزة في حال حرجة، أُصيبت بانهيار نفسي بعد أن استشهد أخوها وزوج أختها خلال وجودها في الضفة. ووفقاً لمسؤول العلاقات العامة، فإنها «تتماثل للشفاء الآن وتتحسن، كذلك فإن ابنها المصاب، بحالة أفضل وسيغادر العناية المركزة خلال 10 أيام».
في غرفة أخرى داخل قسم الجراحة ترقد الطفلة سامية ريحان (8 سنوات) التي نجت وعائلتها من قصف الاحتلال الذي طاول منزلهم، فلجأوا إلى منزل عمتها ليلحقهم القصف وهم يتناولون طعام الإفطار في أحد أيام رمضان، ما أدى إلى إصابتهم جميعاً. لكن نصيب سامية كان الأسوأ من الإصابات.
أصيبت الفتاة في بطنها، وتعرضت لعطل في الحجاب الحاجز، كذلك استؤصلت إحدى كليتيها وجزء من الكبد والطحال وحتى الأمعاء، وهناك بتر في اثنين من أصابع يدها اليمنى.
أما الشاب إبراهيم عبد الدايم (23 عاماً)، فأفقده الاحتلال بصره وساقيه وعدداً من أفراد عائلته، وحتى جيرانه الذين كانوا معاً في غرفة واحدة داخل إحدى مدارس «الأونروا» التي نزحوا إليها في بيت لاهيا شمالي القطاع. يقول إبراهيم إنه كان يعمل ضمن نظام تدريب في «الأونروا»، وكان يوزع الأكل على النازحين الذين كان من بينهم أهله.
وأضاف لـ«الأخبار»: «أخي ووالدي استشهدا، وأيضاً أختي أصيبت... أمي وأخي وأربعة من جيراننا كانوا معنا في الصف نفسه استشهدوا». وسيخضع إبراهيم لعمليات في عينيه بعد ثلاث عمليات في ساقيه، وهو يحتاج إلى أربع أو خمس عمليات أخرى.
في هذا الإطار، يقول الطبيب عبد الكريم البرقاوي، وهو استشاري جراحة، إن مجموعة من الجرحى ستترك إصاباتهم إعاقات لديهم للأبد، ومنهم سامية. ويتوقع أنها ستعاني آثاراً نفسية غير سهلة.
في المقابل، بادر مئات من أهالي الضفة إلى زيارة هؤلاء الجرحى وتقديم الهدايا والمساعدات إليهم، لكن مستشفى النجاح نسّق ساعات الزيارة بما لا يؤذي الجرحى أو يعوق علاجهم.
وفي سياق ذي علاقة، (رام الله، مجاهد بني مفلح)، طالب نحو 500 طفل فلسطيني خلال فعالية في مدينة رام الله، الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بالاستقالة من منصبه، بسبب «تقاعسه عن حماية أطفال غزة». وسلّم الأطفال والقائمون على الفعّالية، أمس، هيئة الأمم المتحدة في المدينة، رسالةً مفادها أن «الأطفال الفلسطينيين ليسوا أرقاماً».