غزة | القاهرة | هي الساعات الأخيرة في الهدنة الثانية بين المقاومة والعدو، وهي أيضاً ساعات قد تحمل مفاجآت في أي لحظة. الفلسطينيون يصرّون على مطالبهم، لكنهم يتحدثون عن مفاوضات «صعبة وجدية»، فيما ينفي الإعلام العبري موافقة تل أبيب على «الشروط الفلسطينية الكبيرة» مبدئياً أو غير ذلك. في الوسط، يقف الجانب المصري مطالباً بمزيد من الوقت (ثلاثة أيام أخرى) ليكمل هذه المفاوضات، وليس بعيداً عنه الطرف الأميركي الذي بدأ أمس يدلي باقتراحاته على الطرفين.


وكاد الاحتلال ينهي الهدنة أمس باختراقين، الأول في البحر بعد إطلاقه النار على مجموعة من الصيادين في غزة، والثاني من الجو حينما أطلقت طائرة استطلاع صاروخاً على مقر النادي البحري غرب مدينة غزة، ما تسبب في الحالتين بأضرار مادية دون وقوع إصابات، وهو ما اضطر الجيش الإسرائيلي إلى الاعتراف بأن الحادث الأول كان مجرد إطلاق نار تحذيري.
وإلى أن تنتهي الهدنة الثانية منتصف ليل اليوم، أكد الوفد الفلسطيني، على لسان أكثر من موفد فصائلي، أنه قد لا يسمح بتجديد هذه التهدئة مرة أخرى، لكن آخرين رجّحوا إمكانية قبول التمديد ما دامت المفاوضات تذهب نحو الاتفاق. وأكدّ مصدر من حركة «حماس» لـ«الأخبار» أن الطرف الأميركي اقترح أمس وجود مراقبة دولية لممر مائي يربط القطاع بقبرص التركية، «مع وجود ميناء عائم قبالة شواطئ قبرص لمراقبة البضائع» في حال موافقة الاحتلال على إنشاء الميناء. وقال المصدر الذي فضّل التكتّم على اسمه، إنه لم يجر أي اتفاق بشأن إطلاق الأسرى المحررين ممّن أعيد اعتقالهم، كما نقل الرفض الإسرائيلي لإزالة المنطقة الحدودية العازلة على حدود غزة.
وأشار المصدر إلى أن الاحتلال أبدى موافقة مبدئية على توسيع مسافة الصيد إلى تسعة أميال «تاركاً الحديث عن المطار في هذه المرحلة». وفي سياق إعادة إعمار قطاع غزة، أفاد بأن الجامعة العربية تكفلت بتشكيل لجنة عربية موحدة للإشراف على إعادة الإعمار وجمع التبرعات من عدة دول، فيما لا يزال الخلاف قائماً على تجديد المناقصات السابقة لشركات عربية للإعمار أو البحث عن أخرى جديدة.
رغم ذلك، قدّرت مصادر أخرى من «حماس» أن يجري الإعلان عن وقف دائم لإطلاق النار تحت ضمان مصري بإكمال النقاش، مع أن عامل الوقت الضيق يعطي مجالاً للمقاومة من أجل الضغط على إسرائيل التي لا تزال تكرر ضرورة بحث موضوع جنديين اثنين مفقودين لجيشها، لكن المقاومة تطلب تأجيل ذلك بعد الاتفاق، كما أكدت أنها تنتظر رداً مكتوباً يشمل إجابة واضحة على كل المطالب.
وبشأن النقاط المتعلقة بزيادة عدد الشاحنات عبر المعابر مع إسرائيل وتسهيلات عبور الأفراد من خلال تلك المعابر فضلاً عن إمكانية تحويل أموال رواتب موظفي غزة، فإنها صارت شبه منتهية بعد الاتفاق عليها. وهذا ما أكدته مصادر مصرية قالت إن الوفد الإسرائيلي ظل طوال يومين يسجل حالات سفر متواصلة من القاهرة إلى تل أبيب وبالعكس. ولم تخف هذه المصادر أن إسرائيل نقلت إلى الوسيط المصري خطة سياسية تهدف إلى جعل القطاع منطقة منزوعة السلاح، ونقل الحكم فيه إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس. وأيضاً أبلغ رئيس جهاز المخابرات اللواء محمد التهامي أن الاحتلال معني بنشر رجال الحرس الرئاسي للسلطة في الجانب الفلسطيني من جميع معابر القطاع، على غرار المطلب من معبر رفح.
كذلك، ذكرت المصادر أن القاهرة ترى أن الحاجة تقتضي تمديداً آخر للتهدئة السارية بـ72 ساعة، كما تميل إسرائيل إلى الموافقة على تحويل الأموال اللازمة لدفع رواتب موظفي حكومة «حماس» السابقة ضمن آلية مراقبة يتولاها طرف ثالث لم يحدَّد بعد، لكنه سيكون طرفاً دولياً كـ«الأونروا».
ورغم ما يفرضه الوسيط من طوق كبير على الأطراف إزاء تناقل ما يجري التباحث بشأنه في الغرف المغلقة، فإن ذلك لم يحل دون أن تتسلل نبرات التشاؤم بشأن الإخفاق المتوقع للمفاوضات، في ظل التقدم البطيء. ويقول عضو المكتب السياسي لـ«حماس» عزت الرشق لـ«الأخبار» إن احتمال مغادرة الوفد القاهرة لا يزال محتملاً، «لكن الجهود المصرية الجدية تعطي أملاً بمواصلة التفاوض». وأكد أن حركته لن تقبل تمديد التهدئة مرة أخرى، «وهي مددت التهدئة كي تسد الباب على المراوغة الإسرائيلية». المعنى نفسه تكرر على لسان القيادي في «الجهاد الإسلامي» خالد البطش الذي قال إنه إذا طلب تمديد التهدئة مرة ثالثة «فلن نقبل».
ولم يخف مراقبون أن «حماس» تعمدت القفز عمّا أصابها من الوسيط، وأبلغت كتابها ووسائل إعلامها ضرورة ألا يتطرقوا إلى أي دور سلبي فعلته مصر، كذلك وجدت نفسها مضطرة إلى تقديم التنازلات خشية من غضب مصري قد تدفع ثمنه سياسياً، لذلك هي صدّرت موقف إنهاء التهدئة إلى لسان العسكريين في غزة.
هنا، أكد مصدر من الحركة أن إصرارها على بناء ميناء بحري محاولة للهرب من «لعنة الجغرافيا» التي فرضتها الحدود مع مصر، لكن توحّد الوفد الفلسطيني وراء هذا المطلب خفّف حساسية مصر تجاهه. أمّا القيادي علي بركة، فأكدّ لـ«الأخبار» أن الحركة وضعت احتمال دخول معركة طويلة من الاستنزاف «في حال استمر الاحتلال في المماطلة». وعادت مصادر أخرى لتوضح أن تركيا وقطر القريبتين من «حماس» تتواصلان مع الطرف الأميركي كي يضغط على إسرائيل من أجل القبول بالمطالب الفلسطينية.
على الجانب المقابل، فتح إلغاء جلسة المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، التي كانت مقررة أمس، مروحة من التساؤلات حول خلفية هذا القرار، خاصة أنه جرى تحديد موعد الجلسة بالتزامن مع عودة الوفد الإسرائيلي إلى تل أبيب لإجراء مشاورات، لكن الوفد عاد مرة ثانية إلى العاصمة المصرية.
صحيفة «هآرتس» فسّرت هذا التقلب في الموقف بتأكيد أن رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو أراد أن يعمل على تجنيد تأييد الوزراء للمسار المتبلور في الاتفاق مع الفصائل الفلسطينية، وذلك بالاجتماع بكل وزير على حدة، وهو ما حدث فعلياً أمس، لذلك رجّحت «هآرتس» أن هذه اللقاءات كانت لعرض اقتراح الاتفاق الذي يجري العمل عليه وإقناع الوزراء بدعمه. ومن أبرز الوزراء المستهدفين الذين يجاهرون بخيارات مغايرة للمسار الذي يسلكه نتنياهو، وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، ووزير الاتصالات غلعاد اردان، ووزير الاقتصاد نفتالي بينيت. إضافة إلى اللقاء مع وزيرة القضاء، تسيبي ليفني، التي لها مقاربة مختلفة عن الشخصيات اليمينية.


ألغى نتنياهو جلسة «الكابنيت» أمس ليحاور وزراءه كلاً على حدة

من هنا، يتضح أن نتنياهو «لم يرغب في إحداث بلبلة إعلامية داخل جلسة الكابنيت»، كما تقول الصحيفة التي أشارت إلى وجود خلافات عميقة بين الوزراء كانت يمكن أن تؤدي إلى توجيه «انتقادات حادة» لطريقة إدارة المعركة في غزة أو المفاوضات في القاهرة، وهو ما قد يؤجل الاتفاق مع الفلسطينيين.
في المقابل، ذكرت تقارير إعلامية عبرية أن نتنياهو قرر إلغاء الجلسة بحجة غياب أي تقدم ملموس في المفاوضات الجارية. لكنّ عدداً من الوزراء أعربوا عن استيائهم وغضبهم من هذا القرار، مشيرين إلى أنهم يرفضون أن يؤدّوا دور «الختم» على أي اتفاق لوقف النار في حال جرى التوصل إليه.
على صعيد متصل، دعا وزير الجيش، موشيه يعلون، قواته كي تكون على أهبة الاستعداد مع انتهاء موعد الهدنة منتصف ليلة الأربعاء ــ الخميس. وأكد يعلون أن «عملية الجرف الصامد لم تنته حتى الآن، بل يمكن أن تتجدد المواجهات مرة أخرى».
ويبدو أن موقف يعلون يهدف إلى محاولة تجنّب الخطأ الذي ارتكبه القادة الإسرائيليون عندما دعوا المستوطنين إلى العودة إلى جنوب إسرائيل مع انتهاء موعد الهدنة الأولى قبل أيام.
أما الوزير نفتالي بينيت فلا يزال على تشدده، إذ رأى أن على إسرائيل في نهاية المطاف اجتياح غزة للقضاء على «حماس»، مشكّكاً في إمكانية عودة الهدوء إلى جنوب إسرائيل لمدة طويلة. وذهب أبعد من ذلك في رفضه التفاوض المباشر أو غير المباشر مع «منظمات إرهابية». وتابع بينيت: «كان هناك قدر من التفاؤل في بداية العملية، لذا ما كان يجب أن ندع حماس تفلت من أيدينا ونمنحها مدة من الراحة»، مؤكداً أن إسرائيل تحتاج إلى استعادة الردع، «وإلا فلن نكون هناك بعد الآن».