القاهرة | بالتزامن مع بدء الاستعدادات شبه النهائية لدخول انتخابات مجلس النواب المصري المقبل، تمر جماعة الإخوان المسلمين بمنعطفات كبيرة إثر تصدع الجبهات الداعمة لها في صراعها مع السلطات المصرية عقب عزل الرئيس محمد مرسي. رغبة بعض مكونات «تحالف دعم الشرعية»، الذي تشكل قبل أيام من «30 يونيو»، في دخول الانتخابات، إضافة إلى الهيمنة الإخوانية على صناعة القرار داخل التحالف، والفشل في الوصول إلى منجز سياسي بعد أكثر من عام على عزل مرسي يتناسب مع كل الأثمان الباهظة المدفوعة من مكونات التحالف، دفعت الجماعة إلى تكوين «المجلس الثوري المصري» نهاية الأسبوع الماضي في مدينة إسطنبول التركية.


ويقول مصدر، تحدث لـ«الأخبار» من تركيا، إن التحالف الجديد موجه بالأساس إلى «القوى الثورية والوطنية التي ترفض الانضمام إلى التحالف الوطني لدعم الشرعية، إما اعتراضا على المكون الإسلامي الغالب على التحالف، أو لتقاطع أهدافها السياسية والثورية مع بعض أهداف التحالف، وخصوصاً أن التحالف الجديد يتجاوز عقبة الشرعية انطلاقا من 11 فبراير (شباط) 2011، وهو ذكرى تخلي (الرئيس حسني) مبارك عن الحكم، وهو امتداد للتحركات التي انتهت ببيان بروكسل (24 أيار 2014) وبيان القاهرة (12 تموز 2014)».
ويضيف المصدر أن هناك مسارين متوازيين داخل جماعة الإخوان المسلمين، موضحاً أن الأول يرأسه «جناح الصقور» أو «القطبيين»، والجناح الآخر على رأسه قيادات جيل الوسط داخل الجماعة. وترى المجموعة الأولى، وفقا للمصدر، أنه لا بديل عن الصدام مع الدولة مهما كلف الأمر حفاظا على التنظيم واستمرارا لـ«الحالة الثورية» التي تضمن الإفلات من الحساب على الفترة التي أداروا فيها الجماعة عقب تنحي مبارك، فيما يرى الفريق الآخر، متوافقا مع قوى سياسية أخرى، أن من غير الواقعي استمرار الصدام مع الدولة، وأن الحل يكمن في التراجع خطوة إلى الوراء، وخصوصاً أن محصلة سنة كاملة من الصدام «صفر مربع».


قيادة «الإخوان» لـ«التحالف» هي أحد أسباب أزماته المفضية إلى انهياره

ويرى المصدر أن إمساك «القطبيين» بخيوط التنظيم، وسيطرتهم الإدارية والمالية على مقدرات التنظيم، مثّلا عقبة أمام جيل الوسط لإدارة العملية على نحو كامل، في الوقت الذي يسيّر ويسيطر فيه الشباب على الحراك الفعلي على أرض الواقع.
ويشير المصدر إلى أن عددا كبيرا من الشخصيات اعتذر عن عدم الانضمام إلى «المجلس الثوري» الجديد، أبرزهم أيمن نور المرشح الرئاسي السابق، وثروت نافع وحاتم عزام ومحمد محسوب، وزير الدولة للشؤون القانونية والمجالس النيابية في وزارة هشام قنديل، اعتراضا على نسب التمثيل، الأمر الذي عدوه «تكويشا إخوانيا» على المجلس الجديد.
أما في القاهرة، فإن «حزب الوطن»، ذا التوجه السلفي، المنشق بالأساس عن «حزب النور»، الذي يترأسه عماد عبد الغفور مستشار مرسي لشؤون التواصل المجتمعي، سيعلن رسميا خلال أيام انسحابه الرسمي من التحالف الداعم لـ«الإخوان»، فيما لا تزال «الجماعة الإسلامية» وحزبها «البناء والتنمية» يدرسان القرار بالاستمرار أو بالانسحاب والمشاركة في الانتخابات. وبحسب المصادر، فإن «الجماعة الإسلامية» و«البناء والتنمية» لن ينسحبا من التحالف، بل سيتبنيان خطابا إعلاميا غير تصعيدي مع الدولة، مع توطئة سقف المطالب السياسية، وهو ما يعني «تهدئة اللعب».
راضي شرارة، القيادي في «حزب الوطن»، أعلن أن أسباب تقويم موقف حزبه من الاستمرار في «التحالف» من عدمه هو «عدم جدوى الحراك المستمر منذ عام، بكل ما شهده من أحداث، وهو الداعي الرئيسي لتقويم العمل والبحث عن أماكن الخلل والنظر إلى مآلات الأمور، وخصوصاً أن حديث الإخوان عن «إسقاط حكم العسكر بالثورة عليه، هو مجرد وهم يبتغي إرضاء الشباب الحزين» على قتل رفاقه وأصدقائه «لأن الثورة ليست مشروعا إخوانيا»، لكون منهج الإخوان الذي عملوا من خلاله 60 عاما، وفقا لشرارة، مشروعا إصلاحيا لا مشروعا ثوريا.
ويبدو الموضوع شائكا ومعقدا، إذ يحرص مقربون من «التحالف»، تحدثت إليهم «الأخبار»، على عدم الإفصاح عن هوياتهم لحساسية الموضوع بالنسبة إليهم، مشيرين إلى ضغوط عنيفة مارستها سلطات الدولة لقبول المشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، أو خوفا من تخوينهم واتهامهم بـ«بيع القضية» من جانب «الإخوان» وأنصارهم.
ويرى شرارة أن قيادة «الإخوان» لـ«التحالف» هي أحد أسباب أزماته المفضية إلى انهياره، «فالرأي رأيهم، والقرار قرارهم، وعلى الجميع التنفيذ دون حرية التفكير، وإلا فتهم التخوين والعمالة حاضرة وجاهزة، وهي ذات التهم التي اعتاد الإخوان إلصاقها بكل الخارجين عنها». ويقول إن «تقدير ما سوف تؤول إليه الأمور كان يعتمد على قوة الإخوان وتفكيرهم، والجميع تبع لهم، وإذا ظهر صوت العقل أو صوت مغاير للحلم بعودة الحكم كنت تسمع ما ﻻ يرضيك من التخوين والعمالة، وأظن أن البعض أُكرِه على اﻻستمرار مخافة ذلك، والبعض استمر تدينا والبعض استمر لأن النظام لم يترك لأحد فرصة اﻻختيار».
وبحسب شرارة، فإن إدارة «الإخوان» للتحالف بطريقة العصا والجزرة وضعت الجميع في خيارين «أحلاهما مر. الإخوان والتجربة المريرة معهم، والعسكر الذي ﻻ يعرف إﻻ القوة الغاشمة، وخصوصاً أن محاولة الإخوان إعادة الثقة من خلال فتح صفحة جديدة مع الجميع لم تفلح»، مضيفاً «إن كان النظام الحالي ﻻ يعرف إﻻ لغة واحدة هي العصا، فإن الإخوان يستخدمون لغتين ... فإن كنت مطيعا منفذاً لأمر الإخواني أكثر من الإخوان أنفسهم، أبرزوك وفتحوا لك المجال والإعلام، وإن كنت تعارض وتبين الخطأ، سلطوا عليك من هو إخواني أكثر من الإخوان، ليهجوك ويدعي عليك ... وظهر هذا واضحاً في الهجوم على بعض رموز التحالف مثل عماد عبدالغفور، رئيس حزب الوطن، وأحد مستشاري مرسي السابقين، والشيخ عبود الزمر وباسم خفاجي، وممدوح إسماعيل ويسري حماد».
من جهته، يقول الباحث في شؤون الحركات الإسلامية صلاح الدين حسن إن «تعرض الإخوان لضربات أمنية قوية، وفض اعتصام رابعة العدوية، تسببا في عدم مركزية القيادة والوحدة، ما انعكس على حركة الشارع على نحو جعلها أكثر تلقائية وعشوائية ... وتحولت التظاهرات إلى مناسبات للخروج وفق رؤية الجماعة وإدارتها لأعضائها، ما فتت التحالف ولم يجعل له وجودا إلا على الورق».
ويشير الباحث المصري، في حديثه لـ«الأخبار»، إلى أنه «في الفترة الأخيرة وبعد اتضاح عدم وجود أي تأثير على النظام ومؤسساته نتيجة الحراك المستمر لأكثر من عام، بدأت مكونات التحالف في طرح رؤيتها الخاصة، وخريطتها للعمل السياسي، وخصوصاً أن التحالف فشل في إسقاط النظام بالسلمية بسبب ترهله وضعف أدائه، وهو ما جعل مكونات التحالف أمام مسارين: إما العمل من داخل العملية السياسية، أو اللجوء إلى العمل العنيف ضد النظام»، واصفاً تفكك مكونات التحالف بـ«الأمر القديم الذي كشفت الانتخابات الغطاء عنه».
ويرى حسن أن «انخراط جزء من مكونات التحالف في العملية السياسية مكسب للنظام الذي سيرحب به بكل تأكيد وفق العقلية الأمنية المصرية بتكوينها وبخبراتها، التي ترى أن التيارات الإسلامية من الصعب إقصاؤها أو إعدامها، بل من الممكن محاصرتها وضغطها، كما أن الدخول في الانتخابات يقضي على فكرة احتكار التيار المدني للعملية السياسية، لأن برلماناً بلا إسلاميين هو برلمان محسوم من شرعيته بكل تأكيد».