بغداد | لا يمكن لمنصف أن يستعرض منجزات الحكومة العراقية (2010 ـ 2014) من دون استنتاج فشل تام لإدارة موازنة مالية بلد تساوي موازنات بلدان المنطقة الفقيرة بمجملها. حكومة نوري المالكي التي تشكلت في 2011 على أنقاض أزمة سياسية، واصطحبت في فترتها حقيبة تحديات أقضّت مضجعها، لكنها لم تحقق سوى الهيمنة السياسية على مفاصل الدولة، وتناست الخدمات والصحة والتعليم ومؤشرات الفساد والفقر والبطالة.


ولعل النجاح الذي حاولت اكتسابه الحكومة، مستفيدة من ظروف المنطقة، هو اتفاقية الاطار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة التي أدت الى إجلاء قواتها من العراق بشكل نهائي، إلا أن النجاح هذا تبخّر عندما انهار الجيش العراقي في الموصل في حزيران الماضي.
لا يتحمل نوري المالكي مسؤولية الفشل والإخفاق وحده، في ظل نزاع سياسي انجر على القوانين والقرارات ذات المساس المباشر بالمواطن، رغم أن الكثير من العراقيين يعدّونه المسؤول الاول عن تقديم الخدمات، باعتباره الرجل الأقوى في الحكومة، وصاحب الكلمة العليا والفصل في العراق. ويمكن تقييم أداء حكومة العراق خلال السنوات الاربع الماضية في مستويات عدة:

الوضع الأمني

يتعبر الوضع الأمني هاجساً واجه شعباً أعزل، ومستثمرين كباراً، ورؤوس أموال، وشركات عالمية كبرى حلمت بالدخول إلى السوق العراقي. إلا أن الوضع الأمني الذي شهد أفضل حالاته عام 2009، تراجع شيئاً فشيئاً، حتى بلغ ذروته عام 2013، حيث شهدت خلالها بلاد الرافدين أسوأ انتكاساتها الأمنية، من استهداف لمقرات الوزارات، والسجون ومراكز الشرطة واستهداف رجال الأمن في عمليات اغتيال، وعمليات تهريب السجناء.


يشعر العراقي
بالغبن إزاء ما يحصل في
بلد تتخطى ميزانيته
الـ140 مليار دولار

كان الموقف الامني أبرز ما يعاب على المالكي، بعدما اتهمه خصومه بإقصاء الكفاءات الأمنية وترقية ضباط غير كفوئين، إضافة إلى سيطرته على وزارات الداخلية والدفاع والأمن الوطني ومستشارية الأمن القومي وقيادات العمليات المشتركة وجهاز المخابرات، من دون فاعلية.

الوضع السياسي الداخلي

تشكّلت حكومة المالكي الأخيرة بعد أزمة سياسية خانقة، إثر تفسير المحكمة الاتحادية للكتلة النيابية الأكبر صاحبة الحق في تشكيل الحكومة. فكان مؤتمر أربيل الذي دعا إليه رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، منفذ الأزمة لتشكيل حكومة انتظرها العراقيون نحو 8 أشهر.
في شباط 2011 اندلعت تظاهرات شعبية في معظم المحافظات العراقية لمطالبة الحكومة بتصحيح مسارها وتقديم الخدمات والحد من الفساد، ما وضع الحكومة في زاوية حرجة، وسط غياب الآليات الناجعة لتقديم الخدمات، وتحسين الوضع المعيشي.
بعد أقل من سنة على رفض المالكي تنفيذ أي من بنود اتفاقية أربيل، عاودت الأزمة السياسية بعثرة الوضع الحكومي، وانسحب وزراء التحالف الكردستاني والقائمة العراقية ثم وزراء التيار الصدري، وتم الاتفاق على سحب الثقة من المالكي. وبلغت الأزمة ذروتها عندما صوّت البرلمان على سحب الثقة من المالكي، إلا أن رئيس الجمهورية جلال طالباني رفض التوقيع عليها، وأوقف سجالاً استمر لنحو 9 أشهر.
قدّم المالكي تنازلات لإعادة الوزراء إلى الحكومة، لكن الوضع السياسي بقي مرتبكاً، ورافق ذلك سيطرة شبه تامة للمالكي على الهيئات المستقلة، كما اتهمه خصومه بتسييس المحكمة الاتحادية والقضاء.

العلاقات الخارجية

لم تحقق وزارة الخارجية شيئاً يذكر على صعيد العلاقات الخارجية، فبقي العراق متردداً بين جبهتي روسيا والولايات المتحدة في المنطقة، ونجحت بعض الدول الإقليمية في تعزيز فكرة النفوذ الايراني بهدف إفشال العملية السياسية في العراق. وعلى الرغم من استضافة العراق لمؤتمر القمة العربية عام 2012، أبقت معظم الدول العربية على مواقفها السلبية من العراق.

الصادرات النفطية

حققت الحكومة العراقية طفرة في زيادة الصادرات النفطية اليومية بعد نجاح التراخيص النفطية والتعاقد مع الشركات العالمية الاستثمارية لزيادة صادرات النفط العراقي، من 1.2 مليون برميل في اليوم الى 3 ملايين. وأدّت هذه الزيادة الى مضاعفة موازنة العراق لتصل من 65 مليار دولار عام 2008 الى 110 مليارات عام 2014.

مؤشرات الفساد

أظهرت «منظمة الشفافية الدولية»، في تقريرها السنوي عام 2013 حول الدول الأكثر فساداً في العالم، تصدّر العراق اللائحة، يليه الصومال والسودان وليبيا وسوريا. ورأت المنظمة أن الفساد في العراق أدى الى «إذكاء» العنف السياسي وإلحاق الضرر بعملية بناء الدولة.

التعليم والصحة

النظام التربوي في تدنٍّ مستمر، لا سيما بعد خطة وزارة التربية لإعادة تأهيل المدارس القديمة التي هدمت منذ 2012، لكنها بقيت من دون بناء بسبب الفساد والبيروقراطية. الوضع الصحي هو الآخر لا يزال يشهد تردياً كبيراً، نتيجة هجرة الكفاءات والعقول وكبار الأطباء من العراق، وعدم إنشاء المستشفيات التي أدرجت ضمن خطة الحكومة المنتهية صلاحيتها في العديد من المدن، إذ تؤكد الخطة الحكومية حاجة العراق إلى بناء ما لا يقل عن 700 مستشفى لاستيعاب الزخم السكاني، لا سيما أن أي مستشفى لم يُبنَ منذ عام 1988.

الاقتصاد المحلي

تحول العراق خلال السنوات الأولى لسقوط النظام السابق والانتعاش المالي، إلى أكبر البلدان استهلاكاً، إذ ما زال يستورد ما قيمته 15 مليار دولار سنوياً من إيران، ومثلها من بلدان الخليج وتركيا وسوريا. أطلقت الحكومة العراقية مبادرة زراعية لإحياء الاراضي الميتة، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، إلا أن العراق طيلة السنوات الماضية بقي يستورد الكثير من مفردات الخضر، على الرغم من تحقيق وفرة في إنتاج بعض المزروعات، ولا يزال العراق يستورد كل شيء من الخارج باستثناء النفط.

الخدمات

تثور ثائرة المواطن إن حدثته عن الخدمات، فهو يشعر بغبن شديد إزاء ما يحصل في بلد تصل موازنته السنوية إلى أكثر من 140 مليار دولار، في وقت يعاني فيه من شح في الماء والكهرباء، القطاعين الأساسيين للحياة.
ولا يزال سكان العراق، باستثناء إقليم كردستان، يعيشون تحت رحمة مولدات الكهرباء (الديزل) الاهلية، التي تغذي منازل الناس بنصف حاجتها. وكانت الحكومة العراقية وضعت جدولاً وخطة «استراتيجية» عام 2009، لتحقيق الاكتفاء الذاتي للبلد، والبدء بتصدير الكهرباء الى دول الجوار بحلول 2013، لكن سرعان ما تهاوت شبكة الطاقة نتيجة الاهمال والفساد وسوء الإدارة.

مؤشرات الفقر والبطالة

في آخر تقرير نشره برنامج الأغذية العالمي، أكد أن مؤشرات الفقر في العراق انحسرت قليلاً، عام 2012 قياساً إلى عام 2008، إذ بلغت نسبة سكان العراق الذين يعيشون تحت خط الفقر نحو 19.8% عام 2012، بعد أن كانت 22.6% عام 2008، و39% عام 2004. لكن التقرير أكد ضرورة إنهاء هذه المؤشرات في غضون 4 سنوات، بالنظر الى الموازنة الضخمة التي يتمتع بها العراق.