جوبر | «إنها ليست القصير أو داريا أو أي منطقة أخرى. البلدة مفتوحة على سائر الغوطة الشرقية»، يقول أحد الجنود السوريين. تعجّ مداخل حيّ جوبر بدبابات الجيش. يتمركز الجنود على أطراف حي الزبلطاني المتاخم لسوق الهال الذي يعتبر حداً فاصلاً عن الخطوط الأمامية. الرد على اتهامات بعض السوريين للسلطات بالتراخي على جبهة جوبر جنوب دمشق، هو حصيلة شهداء الجيش اليومية على مدخل العاصمة المواجه للحي. معركة جوبر ليست نزهة عادية، هذا ما يؤكده الجنود هُنا.


يروي مصدر ميداني لـ«الأخبار»: «نحن نقاتل مسلحين ضمن منطقة طابقية. حيّ تحت حيّ يصل عمقه إلى 14 متراً. بعض أنفاقه تعود إلى عصور سحيقة». يتابع المصدر مذكّراً بأبنية تاريخية في الحي، أبرزها أقدم كنيس يهودي، ويقول: «لا نقف مكتوفي الأيدي حيال ما يجري، غير أن مخطط جوبر أكبر مما يعرفه الناس العاديون». ويضيف: «تجاوز خطوطنا الدفاعية في جوبر يعني سقوط العاصمة دمشق، ووصولهم إلى ساحة جورج خوري خلال دقائق، وهو ما لا يمكن أن نقبل بحصوله أبداً».
دمشق هوس جنود الجيش. لا يسأل هؤلاء في جوبر عن أخبار المعارك في المدن والمناطق الأُخرى. حصر العسكريون تركيزهم في المنطقة الموكلة إليهم حمايتها، والتي تعني حماية العاصمة من الخطر المحدق.
للسير في الحي هيبته، وسط أصوات الانفجارات القريبة المتتالية. الطريق باتجاه محور عارفة، جنوب جوبر، يمر عبر مفارق معرّضة للقنص. سيطرة المسلحين على محاور عدّة خلال الشهر الفائت، أوضحت خطورة المعارك التي يدعم المسلحون تمركزهم فيها من خلال أنفاق يصل طول بعضها إلى 800 متر وعمقها 12 متراً.


أهم تكتيكات الجيش المتّبعة
حفر خنادق مضادّة


بعض المدنيين يظهرون في حارات البيوت الملاصقة لحي الزبلطاني

مع اكتشاف نفق جديد، بشكل شبه يومي، يصاب الجنود بالدهشة، إلا أن ذلك لم يمنعهم من استعادة النقاط التي احتلّها المسلحون أخيراً، خلال معارك كرّ وفرّ مستمرة. استعادة الحواجز جرت خلال عملية توغّل كلّفت الجيش عدداً من الشهداء، من دون أي قدرة على التقدم بسبب كثافة المسلحين الخارجين من أنفاق الحي القناصة. اكتفى الجيش خلال العملية بإعادة السيطرة على محاوره الأساسية وتحصينها. لا يسجّل في جوبر أي تقدّم للجيش يتجاوز أمتاراً قليلة، إذ إن تموضع قناصي المسلحين في برج المعلمين والمعاهد ودوار المناشر ودوار البرلمان يجعل مواقع الجيش في عارفة ودوار المناشر مكشوفة.
يسيطر جنود الجيش على «مؤسسة النقل الداخلي ورحبة المارسيدس ورحبة الأمن العسكري»، المواجهة لمراكز مسلحي «أجناد الشام» المحصنين شمالاً في مناطق دوار البرلمان ودوار المناشر والمعاهد والمنطقة الصناعية على طول نهر تورا، أحد فروع نهر بردى، في أقصى شمال الحيّ الدمشقي، حيث تعرف المنطقة باسم المعامل لغناها بالمصانع والمنشآت، وأهمّها مؤسسة الكهرباء.
ويعتبر جامع طيبة أحد أبرز مخازن الأسلحة القريبة من خطوط التماس، بينما يهزأ الجنود السوريون عند ذكر حديقة الهدهد، إذ يعتبر اسمها من أكثر الأسماء تكراراً على ألسنة المقاتلين، باعتبارها مركزاً لأهم مستودعات الأسلحة ونقطة فرعية مهمة للأنفاق.
الدمار في الحي الدمشقي يفوق دمار أي مدينة سورية شهدت معارك. مفارق مفتوحة على طرق طويلة من الركام والأبنية التي تظهر عارية من حجارتها.
أهم تكتيكات الجيش المتّبعة كرد على الأوضاع المتدهورة في جوبر، هو حفر خنادق مضادّة. أنفاق المسلحين التي يكتشفها الجيش، استدعت تحركاً سريعاً قوامه حفر خنادق تحاصر الحي الدمشقي المشتعل، وتوقف مدّ المسلحين تحت الأرض، بالإضافة إلى حفر أنفاق فرعية تصل إلى أنفاقهم المكشوف بعضها من قبل الجيش. الأنفاق الفرعية أدّت إلى تفخيخ الجيش للأنفاق الرئيسية، التي اعتمدت أساساً على مجاري الصرف الصحي غير المستخدمة، وأنفاق فرعية أُنشئت بواسطة حفّارات ألمانية، ما أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من المسلحين.

هواجس السكان

بعض المدنيين يظهرون في حارات البيوت الملاصقة لحي الزبلطاني الذي يسيطر عليها الجيش. لا يزال لدى بعضهم قدرة على الابتسام أمام الكاميرا. يروي أحمد، ابن الحي الذي رفض النزوح، عن الحياة وسط المعارك العنيفة الجارية في جوبر. يقول الرجل باستسلام: «لا مكان ننزح إليه بعد هربنا من منزلنا الواقع عند دوار البرلمان إلى منزل قديم تعود ملكيته إلى شقيقي. نتعايش مع الحرب القائمة بالكثير من الحذر. إنما لا احتمالات كبيرة للنجاة من القنص والقذائف الهاطلة علينا كالمطر من داخل الحي». يرى الرجل أن الحياة تحت حماية الجيش لها إيجابياتها، لكن مع سلبية الاستهداف الدائم لنقاطه القريبة. ويشير إلى أن الحياة قرب مراكز تموضع جنود الجيش ليست سبباً وحيداً لاستهداف المسلحين للمدنيين، إذ إن القصاع وباب توما أكثر المناطق التي تعج بالمدنيين لا تسلم من أذى القذائف المتواصلة التي تستهدف الأهالي يومياً.
وفي حي العباسيين المجاور يعبّر سعيد، الطالب الدمشقي، عن سخطه على عدم حسم معارك جوبر التي تفصلها أمتار قليلة عن منزله. لا يحيد الشاب عن دعمه الجيش السوري، إلا أنه كما يقول: «بلغ السيل الزُّبى». ينقل الشاب هواجس بعض أهالي الأحياء المجاورة، التي يتبادلونها سراً وعلناً أحياناً. «الحجة الدائمة أنفاق جوبر. أليس لدى الجيش صواريخ مدمرة تستطيع شلّ حركة المسلحين؟» يتساءل. يبدو أنّ الإجابات التي يحتاجها سعيد غير موجودة إلا داخل الحي نفسه.