منعطفات كثيرة مرّت بها «جبهة النصرة لأهل الشام» منذُ ظهورها إلى العلن في كانون الثاني 2012. أبرزها الخلاف مع تنظيم «الدولة الاسلامية»، الذي تطوّر لاحقاً إلى «حرب أهلية جهادية»، كان «النصرة» الطرف الخاسر فيها. وكادت مضاعفاتُها أن تأخذ «النصرة» نحو الانهيار التام، الأمر الذي راهن عليه كثيرون، قبل أن يتضح أن الرهان كان خاسراً. لا لجهة عدم انهيار «النصرة» فحسب، بل لجهة اقترابه من مرحلة «استعادة التوازن».


جهود كبيرة بذلت خلال الشهرين الأخيرين في سبيل «إعادة هيكلة التنظيم»، لكنها اصطدمت بجهود مضادة، يبدو أنها نجحت في إحداث شرخ في «إعادة الهيكلة». مصدر «جهادي» يؤكد لـ «الأخبار» أن «الشيخ الجولاني (أبو محمد، زعيم الجبهة) كان قد نجح في أواخر شهر حزيران الماضي في نيل موافقة الشيخ الظواهري (أيمن، زعيم تنظيم القاعدة) على خطة لإصلاح الخلل الذي لحق بالجبهة». ويكشف المصدر أن «المخطط كان في طريقه إلى الترجمة العملية، قبل أن تقع حادثة تسريب خطاب الشيخ الفاتح في مجموع من المبايعين الجدد»، وذلك في إشارة إلى الخطاب الذي كشف فيه الجولاني عن خطط إعلان «إمارة الشام الإسلامية».
لكن من من سرّب الخطاب؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، يشرح المصدر بعض التحولات «المنهجيّة» التي طرأت على «النصرة». ويقول: «في مرحلة الجهاد السري لم يكن الانتساب إلى الجبهة مفتوحاً للجميع، بل يعتمد في الدرجة الأولى على الترشيح والتزكية». الأمر الذي تغيّر لاحقاً مع خروج «الجبهة» إلى العلن، واتساع رقعة المعارك، إذ «برزت الحاجة إلى مجاهدين جدد، وبأعداد كبيرة». ووفقاً للمصدر، فقد نجح تيّار داخل «النصرة» في إقناع الجولاني بفتح الباب لضم المقاتلين من دون شروط مسبقة، مع الاكتفاء بإبداء الوافدين رغبتهم في «الجهاد في بلاد الشام». ويُعد أبو ماريّا القحطاني (العراقي ميسرة الجبوري) أبرز ممثلي هذا التيار.
وبمرور الوقت، تكرّس التباين في الآراء داخل «النصرة»، من دون أن يصل مرحلة الانقسام. غير أن «الظروف التي كان يمر بها الجهاد، ضد النظام (...) من جهة، وضد الغُلاة من جهة أخرى (المقصود تنظيم داعش) استدعت غض النظر، وتأجيل إجراء مراجعة شاملة كان الشيخ سامي العريدي (الشرعي العام للجبهة) أبرز المطالبين بضرورة إجرائها».
أدت التطورات الميدانية، والهزائم التي منيت بها «النصرة» في دير الزور أمام «داعش» في إضعاف موقف القحطاني، الذي كان مسؤولاً عن المعارك في «الشرقية». وفي الوقت نفسه كان التيار الآخر يقرع ناقوس الخطر، ونجح في إقناع الجولاني بحسم خياره، و«التسليم بضرور إجراء مراجعة جذرية لعمل الجبهة»، ودائماً وفقاً للمصدر «الجهادي».
دخل الشيخ السعودي عبد الله المحيسني على الخط. وكان له دور كبير في رسم ملامح «المرحلة الجديدة، وهي مرحلة الإمارة». ويتحدث المصدر عن «لقاء ثلاثي، ضمّ الشيخ الجولاني، والشيخ المحيسني، وموفداً عن الشيخ الظواهري، الذي استجاب سريعاً لنداء الخطر، وأوفد أحد الثقاة لديه». وتؤكد الرواية أن «الاجتماع حصل داخل الأراضي التركية، في نقطة تبعد مئات الأمتار فقط عن الحدود السورية، حيث استمع الموفد إلى كلام الشيخين، وتسلّم خطة مطبوعة، كان قد وضع لبنتها الأساسية الشيخ المحيسني، وأسبغَ الصيغ النهائية عليها الشيخ الجولاني، بعد استشارة عدد من الثقاة». بعد أيام قليلة، تبلّغ الجولاني موافقة الظواهري على الخطة، شريطة «الحرص على عدم حصول انقسام داخل صفوف المجاهدين». الخطة جاءت في قرابة عشرين صفحة. وتضمنت بنوداً موزعة على مراحل عدّة، تلحظ أهمية «استقطاب مبايعين جدد، ودعم تسليحي». تكفل المحيسني تأمين التمويل اللازم، فيما كان مُنتظراً أن «يؤمّن مشروع الإمارة، الغطاء الشرعي الكفيل باستنهاض عزائم المجاهدين». يبدو استشفاف باقي التفاصيل مهمة يسيرة، إذ من المرجح أن «تيار القحطاني» كان وراء تسريب خطاب الجولاني. الأمر الذي يمتنع المصدر عن التعليق عليه، مؤكداً في الوقت نفسه أن «الخطاب لم يكُن مُعدّاً لمخاطبة الرأي العام. كانت الخطة تقضي بالعمل على مشروع الإمارة بتكتم، على غرار مرحلة الجهاد السري في بدايات تشكل الجبهة». وفي ظل امتناع المصدر عن الإدلاء بدلوه في هذا السياق، يمكن التوقع أن دوافع القحطاني لتسريب الخطاب ترمي إلى إحباط المشروع، الذي لم يأخذ في عين الاعتبار منح دور حقيقي وفاعل لأبو ماريا. ويُعزز هذا التفسير، أن الخطة، وفقاً للمصدر، كانت تقترح «التجاوب مع بعض الجهود الرامية إلى إقرار هدنة غير معلنة بين الإمارة العتيدة، وتنظيم الدولة». الأمر الذي يرفضه القحطاني رفضاً مُطلقاً، تجلّى في إصراره في الفترة الأخيرة على التذكير بـ «خطورة السرطان الداعشي»، سواء عبر صفحته الشخصية على موقع «تويتر»، أو عبر الرسالة التي وجهها إلى زعيم تنظيم «القاعدة»، أيمن الظواهري، والتي ذهب فيها حدّ منح نفسه الحق في «إسداء النصح» للظواهري، وكان مما جاء فيها «كما أنني أنصح شيخنا الدكتور الفاضل أن يبين موقفه من الغلاة...».
ويرى المصدر أن تسريب خطاب الجولاني قد نجح في إحداث بعض الأثر، حيث «أبلغ الشيخ الظواهري الشيخ الفاتح ضرورة التريث في تنفيذ فصول الخطة»، التي يؤكد أنها «لم توضع على الرف، بل جرى إبطاء خطواتها العمليّة». وتشير بعض المعطيات الواردة من أوساط «الجهاديين» إلى أن «الظواهري لن يقبل إحداث انقسام جديد في صفوف المجاهدين»، من دون أن ترشح أي معلومات عن الإجراءات التي قد تكفل له تحقيق هذه الرغبة، كما تؤكد معلومات «جهادية» متقاطعة، أن «كلّاً من التيارين داخل النصرة يحاول الاستقواء بتأييد يحصل عليه من حركة طالبان، وزعيمها الملّا عمر. ويمثل ضغطاً على الظواهري، لتبني رؤية هذا التيار أو ذاك». غير أن الملّا عمر ما زال مصرّاً على «النأي بنفسه، وحركته» عن الدخول علناً على خط الأزمة «الشاميّة».