د. خضر محجز

ــ1ــ
إذا قال لك صغيرك: أنا ذاهب إلى الجنة يا أبي فهل تستطيع أن تقول له: لا؟
هل يستطيع الأب أن يكون أنانياً إلى هذا الحد؟
ــ2ــ
ابتعت له قميصاً أعجبني. قلت: سيكون بهياً هذا القميص على عمرو. شكرني وقبل يدي. وفي خضم انشغالاتي، لم ألحظ أنه لم يرتد القميص أبداً. بعد أن رحل، اكتشفت أن القميص ظل معلقاً في خزانة صغيري. قالت أمه: لم يرق له لون القميص، ولم يشأ أن يقل لك.

ــ3ــ
حين زفوا إليّ النبأ. دمعت عيناي لذكرى سابقة: حين استشهد هادي حسن نصر الله، أعلنت إسرائيل فرحها ورغبتها في تبادل جثته، فصدر بيان عن سيد المقاومة يقول: السيد حسن نصر الله ينعى ابنه الشهيد هادي، ويقترح على الإسرائيليين ألا يتعجلوا في إظهار الفرح. حين وصل خبر صغيري عمرو، علمت معنى ما فعله السيد. حينها هُرعت إلى الصلاة.
ــ4ــ
قالوا: اخرج من البيت فربما يقصفونه
قلت: ليتهم يقصفونه وأنا فيه
لقد أخذ صغيري معه كل رغبة لدي في البقاء
ماذا أفعل في هذه النار يا إلـٰهي؟
كيف استطعت أن أعيش بعد مغادرة صغيري؟
نار تقول لك: إن أسوأ ما يمكن أن يحدث لك
أن تواصل العيش بعد فراق الأحبة
ــ5ــ
قال المدرب:
طلبت مني قيادة المقاومة أن أدرب هذه الدورة بكل قسوة ممكنة. كانت الدورة تقترب من نهايتها حين ابتدأت حرب غزة. ولم يكن قد تبقى إلا اختتامها (بالتطعيم). والتطعيم يا أصدقائي هو مرحلة التدريب تحت النار الحية. حيث يزحفون ويقفزون ويقتحمون، فيما الرصاص الحي ينصب من فوقهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن ورائهم ومن أمامهم. حين اشتعلت الحرب قال عمرو لأحد زملائه في الدورة ساخراً: أدعو الله أن أستشهد قبل أن (يفسخونا) في التدريب.
ــ6ــ
أم بلال ريان، زوجة الشهيد نزار ريان خال عمرو، كانت أختاً لنا وصديقة، لها حضور جميل. بمجرد أن تدخل الدار يتقدمها صوتها، أكبر من حجمها، وتسخر من (نقرسي)، قبل أن أسخر من صمتها (المخزي) على تعدد ضرائرها. من دون كل الأصدقاء كانت تعتبرني أخاها. ومن دون كل الأولاد كانت تعتبر أبنائي أبناءها. يوم استشهاد صغيري، رأتها ابنتها في الرؤيا توزع الحلوى مستبشرةً بقدوم عمروٍ إليها. لم يكن قد وصلني الخبر. ولم تكن (ولاء) مستعدة لتبليغ عمتها بما رأت. أمس جلست زوجتي على قبر هيام ريان وقالت:
سلام عليك يا هيام، وهنئتِ بعمرو من دوننا.
ــ7ــ
كنت أريد أن أزوجه أجمل الفتيات فأفرح به.
فذهب ليتزوج أجمل الفتيات من حوريات ربه.
كنت أنتظر دخول الإسمنت الى المخيم فأبني له شقة.
فذهب إلى قصور ربه. كنت أمني نفسي بأن أراه يكبر ويرتدي حلة كاملة، بربطة عنق بدل هذه (التي شيرت) التي كان يفضلها فذهب ليلبسني حلة أجمل وتاج وقار.
كانت تكتحل عيني به كل صباح. حين أناديه من نومه بعد صلاة الصبح. فيرد من فراشه بصوت مسموع: نعم يا أبي
فصارت عيناي لا تكتحل إلا بالدموع. حين أذهل عن الواقع فأنادي أخاه الأصغر: يا عمرو! فيلبي محمد: نعم يا أبي.
ــ12ــ
كنت خائفاً أن يكون قد استشهد من دون أن يثخن عدوه بالجراح، خصوصاً أنه كان في مواجهة قوة كبيرة، وحيداً مع رفيقه المجاهد وليد درايبه. فلما علمت أن المعركة قد تواصلت لأكثر من ساعة، علمت أن الصديقين قد قتلا من عدوهما ما يخفف من نار قلبي. كانت أخته تخشى عليه أن يكون قد خرج من دون إذني فلما علمتْ أنه نال رضاي وبركتي بخروجه، بكت فرحاً.
ــ14ــ
حين جاء نبأ استشهاد محمد حويلة صديق روح عمرو
صرخت زوجتي، وتصبرت أم محمد حويلة. حين جاء نبأ استشهاد عمرو، تصبرت زوجتي، وصرخت أم محمد حويلة.
ــ15ــ
نار. هذه النار تأكلني. هذه النار تلتهم قلبي. نار لا تدع لك أن تستقر. لو كان ثمة ما يكفي من الدمع. فربما أطفأ بعض هذه النار. نار لا يطفئها إلا مطر الله. ومطر الله لا ينزل إلا بعد أن تطهر النار قلبك. فيصبح مهيئاً لنزول الرحمة. نار.. يا نار، يا رحمة الله، اكويني أكثر فقد ظل صغيري تحت صفحة السماء عارياً إلى أن دفنته بيدي.
عيني على ضجعتك في العراء يا صغيري. ليلة كاملة يا عمرو في العراء. ليلة كاملة وأنت هناك وأنا أواصل الحياة!
كيف حدث لي ذلك؟
كيف لم أكن مكانك يا فتاي!