ريف الحسكة | يحاول هوزان، الطفل العراقي الأيزيدي، ابن الـ7 سنوات، امتصاص حبة البندورة التي وضعتها له والدته في صحن بلاستيكي لعلّه يكسر بها جوع أربعة أيام من الحصار والسير في وعورة الجبال حتى وصل إلى الحدود السورية، ومنها إلى قرية تل خاتون في ريف القحطانية في محافظة الحسكة.


في الحسكة استقبل الأهالي النازحين، فيما اختار بعضهم الإقامة في المدارس لكثرة عدد أفراد عائلته.
هوزان كان قد وصل مع 168 من أبناء قرية حردانة التابعة لبلدة شنكال في قضاء سنجار العراقي عابراً الساتر الحدودي بين بلدتي ربيعة واليعربية على الحدود السورية العراقية، بعدما نقلتهم سبع سيارات سالكة طرقاً وعرة.
عيون نساء «حردانة» لم تكف عن البكاء. وصلهم نبأ موت عشرة أطفال من قريتهم عطشاً ممن فرّوا في اتجاه جبل سنجار، لعدم تمكّن أحد من الوصول إليهم... واليوم أكثر من خمسة آلاف شخص مهددون بمواجهة المصير ذاته.
يروي شفان رشو أوسي لـ«الأخبار» ما حصل مع عائلته، قائلاً إنّ «داعش» هددت قريتهم في سنجار بمهاجمتها منذ عشرين يوماً، وحاولوا مغادرتها توجسّاً للخطر، إلا أن عناصر «البشمركة» لم يسمحوا لنا بالمغادرة «مؤكدين لنا أنهم سيتصدون لأي هجوم»، إلا أن «داعش هاجمتنا وفرّ البشمركة بعدما تركونا نواجه مصيرنا». وأضاف «مقاتلو داعش طلبوا منا عدم مغادرة القرية ريثما يقرّر مصيرنا، ومن ثمَّ ابلغونا أنه لا ديانة أيزيدية في ظل «الدولة الإسلامية» وأننا يجب أن نعلن إسلامنا أو نغادر خلال 48 ساعة فقط، لنقرر مغادرة منازلنا وقضينا أكثر من يوم كامل في الطرق الوعرة حتى وصلنا إلى سوريا».
«داعش باغتتنا وصادرت سلاح أبناء القرية وطالبتنا بإشهار إسلامنا وخيرتنا بين الهجرة أو القتل في حال عصيان ذلك»، تروي فريدة شرّو، الشابة النازحة من سنجار.
لم تعتد شرّو هذه المظاهر. تنهمر دموعها عند ذكرها «لعدد من النساء والأطفال الذين أرسلوا إلى سوق السبايا في الموصل». «نحن أبناء الشعب الأيزيدي مسالمون ونريد الخير لكل الناس»، تضيف.
يحاول زياد رستم، ابن قرية تل خاتون السورية التخفيف من توتر شرّو، بعدما كان قد انتهى من توزيع ملابس جمعها من أبناء حيه في القحطانية على ضيوفهم الجدد، قائلاً: «نحن السوريين كما أفرغنا منازلنا لكم في قريتنا المتواضعة سنفرغ قرى أخرى لغيركم، سنقاسمكم رغيف الخبز إلى ان يفرج الله عنكم».
المعلومات التي حصلت عليها «الأخبار» تفيد بأنّ أكثر من ثمانية آلاف عائلة عبرت الحدود، ولا يزال بعضهم في الطريق إليها بعدما تمكّن عناصر من «وحدات مقاومة شنكال» و«وحدات حماية الشعب» السورية من فتح طريق لبعض المدنيين العالقين للعبور باتجاه سوريا.
معظم تلك العوائل اختار وبتوجيه من «حكومة شمال العراق» أن يكون دخولهم سوريا طريق عبور إلى شمال العراق من الجانب الآخر من الحدود، عبر معبر سيمالكا في مدينة المالكية، فيما قدّر عدد الأسر التي استقرت في سوريا بأكثر من 500، تركز معظمها في القحطانية والمالكية ومعبدة ورميلان والجوادية.

معارك شرسة على الحدود

في الطريق إلى مدينة اليعربية (على الحدود العراقية) لا شيء يعكّر دورة حياة الناس اليومية. الجميع هنا يعمل في الزراعة أو تربية المواشي. عند الوصول إلى البلدة يتحوّل المشهد إلى منطقة خالية من سكانها، حيث تعلو أصوات القذائف والقنص. في معبر ربيعة الحدودي والجهة المقابلة، يثبّت مقاتلو «وحدات حماية الشعب» مواقعهم، يؤازرهم مقاتلون عشائريون يتبعون لشيخ قبيلة شمر حميدي دهام الهادي، فيما يعتلي قناصو «الوحدات» صوامع حبوب ربيعة محاولين منع أي محاولة تقدم من مسلحي «الدولة»، الذين حاول مقاتلوهم أربع مرّات اختراق دفاعات «الوحدات».
قائد «اسايش (شرطة) اليعربية»، نافذ عبد العزيز، أكد لـ«الأخبار» أنّ «وحدات الحماية» وصلت إلى أطراف شنكال وتعمل الآن على فتح مزيد من المنافذ للمدنيين لإنقاذهم، مؤكداً أن «تدخلهم في البلدة جاء من منظور أخلاقي وإنساني وللحد من المجازر التي ترتكب هناك بحق المدنيين». وانتقد عبد العزيز انسحاب البشمركة من قضاء سنجار وتركهم المدنيين يواجهون مصيرهم. وكشف أنهم «حاولوا إقناعهم بالبقاء والقتال معهم، لكنهم رفضوا الفكرة كما رفضوا منحنا أسلحتهم الثقيلة للقتال بها». وأضاف أنّ «ما يجري هو مخطط سياسي وإعلامي يرمي إلى السيطرة على مناطق الكرد وسنقف في وجهه ونقاومه بكل قوتنا».

تنسيق كردي ــ كردي في مواجهة «داعش»

أكّد «رئيس المجلس التنفيذي لمقاطعة الجزيرة»، أكرم حسو، لـ«الأخبار» أنّه جرى تأسيس غرفة عمليات مشتركة بين القوى الكردية من «وحدات الحماية» و«البشمركة» و«الاسايش» لمواجهة محاولات تمدّد «داعش» في المنطقة، مؤكداً أنّه «بعد تمكّن تلك القوى من فتح منافذ للمدنيين في شنكال، جرى تسيير قوافل مواد غذائية للمدنيين ومساعدتهم».
وأعلن في شنكال تأسيس قوى عسكرية تحت مسمى «وحدات مقاومة شنكال»، التي بدأت معاركها ضد «الدولة» بالتنسيق مع «وحدات حماية الشعب»، فيما أعلنت الأخيرة سيطرتها على قرية دوكرا في شنكال، والتصدي لمحاولات تسلل من ربيعة باتجاه اليعربية بعد قتل عدد من عناصر «الدولة».