ستالين، ربّما، كان سيقدر على شقّ قناة السويس خلال عام (أو ثلاثة أعوام). قولوا ما شئتم عن الرّجل، ولكنّه كان بارعاً في ادارة الاقتصاد. في الفترة بين أواخر العشرينيّات واواخر الثلاثينيّات من القرن الماضي، شهدت روسيا نقلةً غير مسبوقة في سرعتها - تحت حصار دوليّ - من دولة زراعيّة شبه اقطاعيّة إلى بلد صناعيّ بالمقاييس الأوروبيّة. خلال الخطّة الخمسيّة الأولى على نحو خاص، كان الرّوس يرسمون أهدافاً مجنونة، كأنّ يشقّوا قناة السويس في سنة، ثمّ ينجزوها في تسعة أشهر.


المشكلة هي أن التوقعات التي ترافق بدايات الأمور قلّما توافق خواتيمها. لا أحد ينتخب رئيساً أو يبدأ عملاً أو يدخل في علاقة وهو يتخيّل السيناريوهات الرديئة. حين ذهب أنور السادات إلى «كامب دايفيد»، ودعمه قطاعٌ معتبر من النخبة المصرية، لم يجر الأمر تحت وعود بإفقار مصر وإفساد أكثر ما هو جميل فيها، بل إن السادات كان يكرّر في خطبه أن «أيام الفقر انتهت»، وأن مصر سوف يعمها الرخاء والاستقرار (بمجرد انصياعها لشروط الهيمنة).
لو أن المصريين، الذين دعموا السادات يومها، كانوا قد قرأوا مذكرات الرئيس الراحل، التي تشرح آراءه و«نظرياته»، لفهموا أنه ليس حجّةً في الاقتصاد؛ وأنه كان، في فهمه للسياسة، يرى «طرقاً مختصرة» في أغلب الأمور، ويظن أن بالامكان مواجهة مشاكل بنيوية عميقة بحلول تبسيطية من نوع عقد معاهدة أو حفر قناة.
منذ بدأ الكلام الجدي عن تطوير قناة السويس، في عهد الرئيس محمد مرسي، كان من الواضح أن المشروع هو، أساساً، تجاري وعقاري، لا «لوجستي». فقناة السويس لا تعاني مشاكل سعة أو ازدحام تستوجب اجراءات جذرية بهذا الحجم. الاستثمارات الكبرى والمهمة لا تكمن في حفر القناة وأعمال البنية التحتية، بل في المشاريع السياحية والتجارية والصناعية التي سوف تُقام في محيطها، وهذه سوف تكون من حصة رأس المال الأجنبي وشركائه المصريين. اذا نظرنا إلى الموضوع من هذه الزاوية، فقد لا يعود تدفيع الشعب المصري كلفة أعمال الإنشاء عرضاً جذاباً، وقد يتساءل البعض عما اذا كان المشروع القومي الذي تحتاج إليه مصر اليوم هو «شرم شيخ» جديدة، وقد يصير من الصعب التمييز بين بدايات هذا ونهايات ذاك.