بعدما نجحت المقاومة في استنزاف قوات جيش الاحتلال على أطراف قطاع غزة، ورفع «الفاتورة البشرية» في صفوف الجنود والضباط، وجدت القيادة الإسرائيلية صعوبة في التكيف مع الواقع الميداني القائم، وبات عليها أن تتخذ خياراً نحو أحد اتجاهين: إما الانكفاء والتراجع إلى الوراء، وإما توسيع العملية البرية داخل غزة. المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر اضطر إلى الخيار الأول واتخذ قراراً بانسحاب أحادي من المناطق التي احتلها خلال العملية المحدودة، وذلك باتجاه ما يشبه «الحزام الأمني» الذي يفترض أنه مؤقت، ما يسمح لها بمواصلة الضغط العسكري، وخاصة أن خريطة الانتشار تبلورت بما يخدمها في حالتي الدفاع والهجوم.


الرهان الإسرائيلي في هذا القرار يستند إلى تقدير مفاده أن هذا الخيار قد يكون الأقل كلفة وعبئاً، وذلك للحد من مواصلة الاستنزاف البشري، وخاصة أنه يتزامن مع مسار سياسي مواز، تأمل تل أبيب أن يصل بها إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية.
وفي محاولة لاحتواء مفاعيل قرار انكفاء قوات الاحتلال، ولتعديل صورة «الانسحاب تحت النار»، أتى المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع وزير الجيش موشيه يعلون، فحاول الإيحاء بأن قرار الانسحاب التدريجي من غزة أتى بعد استكمال المهمة التي دخل من أجلها، وهي تدمير الانفاق. وأوضح نتنياهو أن انتشار قوات الجيش سيكون وفق اعتبارات أمنية، وتمهيداً لاستئناف العملية حتى «إعادة الأمن».


ليفني ساعدت
نتنياهو في إيجاد مخرج، لكنها أكدت ضرورة حل سياسي



في المقابل، وضمن موقف يعكس غياب أفق هذه المعركة بالنسبة إلى القيادة الإسرائيلية، تجنب نتنياهو الخوض في مآل المواجهات العسكرية وأفقها الزمني بالقول: «لن أقول متى سننهي العملية وإلى أين سنمضي». وفي ما يتعلق بالمرحلة التالية وخاصة على ضوء استمرار عمليات المقاومة، هدد بالرد بكل قوة، مضيفاً: «لن نتقبل استمرار القصف، ولدينا الخيارات المختلفة وسنعمل على تحقيق الهدوء».
ولجهة المخرج السياسي، جدد رئيس وزراء العدو شروطه عبر الدعوة إلى فرض معادلة «إعادة الإعمار وتطوير غزة»، بالتزامن مع «تجريده من الأسلحة والصواريخ والأنفاق». أما بخصوص إنجاز العدوان، فركز نتنياهو على ما سماه العلاقات الخاصة التي تولدت مع دول المنطقة، واصفاً ذلك بـ«الكنز المهم لدولة إسرائيل»، مكملاً: «بعد انتهاء الحرب سيفتح هذا الأمر أمامنا إمكانات جديدة... أعتقد أنه تولدت كوكبة دولية مهمة، وخاصة إقليمياً، ستسمح لنا بخلق واقع جديد».
ولجهة ردود فعل القيادات والتيارات السياسية الإسرائيلية، عبرت وزيرة القضاء تسيبي ليفني عن الانتقادات لقرار «الانسحاب من جانب واحد» بالقول إن «هذا الانسحاب ليس تراجعاً». وأكدت أن الحل في غزة يكمن في استبدال حكم «حماس» وتسليمه للرئيس الفلسطيني محمود عباس. أما بشأن مخاوف سكان المستوطنات في جنوب إسرائيل، من العودة إلى منازلهم في ظل خطر الأنفاق، فقد خاطبت ليفني هؤلاء بالقول: «هنا ليست سويسرا».
وبخصوص النظرة الإسرائيلية إلى التغيير السياسي المنشود في غزة، وتحديداً في ظل الانكفاء عن قرار توسيع العملية البرية، أوضحت ليفني أن ذلك «قد يأتي عبر تفاهمات دولية تتحدث عن نزع السلاح، وإدخال أبو مازن إلى القطاع»، مشدة على وجود «فرصة لتغيير سياسي ليس مع حماس بل ضدها». وأضافت: «لا داعي لعملية برية أخرى ما دام الجيش يستطيع مواجهة الأوضاع الأمنية من الجو وبوسائل سياسية».
في السياق نفسه، كشفت صحيفة «هآرتس» أن ليفني هي التي نجحت في إقناع نتنياهو بأن تسعى إسرائيل بدلاً من مفاوضة «حماس» بوساطة مصرية، من أجل وقف النار، إلى إيجاد حل آخر لاستغلال «شراكة المصالح» التي نتجت بينها وبين دول في المنطقة، ومن شأنها أن تعزز «القوى المعتدلة» وتشق الطريق لإحداث تطور في «العملية السلمية».
وأضافت الصحيفة إن «الوزيرة ترفض أي تفاهم أو تسوية مع حماس»، وذكّرت بانتقادها وزير الجيش خلال عدوان «الرصاص المصبوب» على غزة، إيهود باراك، قبل عامين، حينما سعى إلى بلورة تفاهمات مع «حماس»، «ونجحت في إحباط مساعي باراك». كذلك لفتت «هآرتس» إلى أن ليفني ترى أنه إلى جانب إنهاء العدوان على غزة من جانب واحد، «يجب الذهاب في مسار سياسي متعدد الأطراف يشمل الولايات المتحدة ومصر والسلطة الفلسطينية والأمم المتحدة والدول الأوروبية الكبرى. وبعد التوصل إلى تفاهمات دولية يمكن نقلها إلى مجلس الأمن لتتحول إلى قرار ملزم، على اعتبار أن هذا القرار سيكون في مصلحة إسرائيل ومصر والسلطة».
من جهته، أعلن رئيس لجنة الخارجية والأمن، زئيف الكين، أنه ينوي إدارة تحقيق شامل وعميق عن أداء الجيش والمستوى السياسي وإخفاقاتهما. وشدد الكين على أنه حتى لو لم يعجب هذا الأمر شخصاً ما «فإننا مصممون على التحقيق للوصول إلى الحقيقة».
في المقابل، رأى رئيس المعارضة وحزب العمل، يتسحاق هرتسوغ، أنه «لا يوجد حل عسكري طويل المدى من دون تسوية سياسية». لذلك «آن أوان جرف صامد سياسي». كما رأى هرتسوغ أن «إزالة تهديد الأنفاق تنفذ، لكن إعادة الهدوء وتجريد غزة من السلاح أمر غير مضمون». ومن أجل الوصول إلى ذلك «نحن مضطرون إلى استكمال سياسي» وخاصة أن المعركة في غزة «أنتجت فرصة لمرة واحدة في تعزيز التحالف مع القوات المعتدلة في العالم العربي وإعادة بلورة وجه المنطقة». كذلك حذر من أنه «إذا لم يستغل نتنياهو هذه الفرصة الملائمة القائمة حالياً، فسنشهد جولة عنف إضافية في المستقبل».