الموصل | تغيرات متسارعة ومتناقضة وفيها الكثير من العجائب شهدتها الموصل التي مضى على الاستيلاء عليها من قبل مسلحي «الدولة الإسلامية» أكثر من شهر. والناس في الموصل، كما في المدن والبلدات الأخرى التي سيطر عليها التنظيم، حائرون بين ماض غير مريح كان سائداً في ظل سيطرة القوات الحكومية، وحاضر مرعب ومستقبل غامض ومجهول بأيدي هؤلاء المقاتلين.


الكثير من الشباب في الموصل ومثيلاتها من المدن، الذين كانوا حتى وقت قريب يعارضون نهج «الدولة» القائم على القتل والتفجير في ظل وجود القوات الأمنية العراقية، باتوا اليوم جنوداً للتنظيم أو مؤيدين له، ويرغبون في التطوع للقتال في صفوفه. وفي مراكز التطوع، يتلقى المتطوعون دروساً دينية وفق العقيدة السلفية، وتدريبات حول استخدام الأسلحة واللياقة البدنية، وأحياناً يستقبل «الأمراء» (أمراء مراكز التطوع)، أرباب أسر المتطوعين الذين يطلبون منهم رفض تطوّع أبنائهم، وغالباً ما تتم الاستجابة لهذه الطلبات إذا كانت الأسباب مقنعة. ويعبّر بعض السكان عن الخشية من لجوء «الدولة الإسلامية» مستقبلاً إلى نظام التجنيد الإلزامي.


عطّل «الدولة»
عمل البنوك باعتبارها «أوكاراً ربوية»
على أي حال، الكثير من هذه المدن والبلدات بدا بعضها وقد أخلي من السكان؛ فقد نزحت أعداد كبيرة من سكان هذه المدن إلى مناطق مجاورة، وفي مقدمتها المناطق الخاضعة لإقليم كردستان، أما من بقي منهم فقد لزموا مساكنهم وهجروا أعمالهم. وبالتدريج، نجح المقاتلون في الحصول على جانب من ثقة الناس، حيث قاموا برفع الحواجز الأسمنتية التي كانت منصوبة سابقاً من قبل الجيش، كما أنهم حرصوا في البداية على تقديم صورة مختلفة عن تلك التي يُعرفون بها في سوريا، وقد أدى ذلك ببعض الناس إلى الرجوع إلى أعمالهم في الدوائر الحكومية ومحالهم ومكاتبهم الخاصة. غير أن عدداً لا يستهان به من الموظفين والعاملين في المؤسسات الحكومية قد تم الاستغناء عنهم، مثل العاملين في البنوك والمحاكم والجيش والشرطة وشرطة المرور وغيرها، وذلك بعد إلغاء المحاكم الخاضعة للقضاء العراقي وتأسيس محاكم شرعية يتصدرها شيوخ أغلبهم غير عراقيين، والبنوك عُطِّلت باعتبارها «أوكاراً ربوية». كذلك فإن كتاباً رسمياً صدر من «الدولة» إلى بعض الدوائر الخدمية، منع المسيحيين والأيزديين والشبك من العمل فيها، ومنها دائرة الماء والمجاري. أما الموظفون العاديون أو العاملون في سلك الجيش والشرطة، فعليهم أن يذهبوا إلى أحد المقار التابعة للمقاتلين ويعلنوا توبتهم ويتسلموا ورقة براءة بذلك، بعد أخذ معلومات وافية عن عملهم وعن زملائهم. ولا يُسمح للعاملين في الجيش والشرطة والحاصلين على البراءة من التطوع للعمل مع مقاتلي «الدولة» قبل مرور سنة كاملة على براءتهم والتأكد من ولائهم، في حين يجري إعدام من لا يمنح البراءة أو لا يسعى إليها، أو ممن يثبت عمله ضمن المؤسسات الأمنية التابعة للحكومة العراقية أو العمل ضمن الصحوات أو إن كان شيعياً. وتتنوع أساليب الإعدام من إطلاق الرصاص على الرأس أو قطع الرأس وحزّه بالسيف من الأمام أو الخلف.
ويُظهر الناس هلعاً كبيراً، ويقول بعضهم إن أكثر ما يرعبهم هو «أن مسلحي التنظيم يطرقون الأبواب ويسألون عن عدد النساء المتزوجات وغير المتزوجات في كل منزل»، في خطوة فسّرها السكان بنيّة تزويج البنات غير المتزوجات من مقاتلي التنظيم. وأصدر التنظيم ما سمّاه «وثيقة المدينة» في نينوى، دعا فيها إلى هدم المزارات الدينية، ووجوب احتشام النساء، ومهاجمة الجماعات والفصائل المسلحة مهما كانت مسمياتها، وتحريم التدخين والخمر والمخدرات، إضافة إلى عدة أمور أخرى، بما يمثّل إلغاءً تاماً لمظاهر الدولة المدنية والحياة العصرية. كذلك فإن «الدولة» قنّنت بعض التعاملات بين الناس؛ فعلى سبيل المثال، فرضت تسعيرة لإيجارات المساكن والمكاتب، بحيث تم خفضها على نحو وصل إلى 80 أو 90 في المائة عن الأسعار التي كانت سائدة، وهكذا فعلت بخصوص بعض الخدمات، مثل تقليل أجرة الكشف عند الأطباء وأطباء الأسنان، وغيرها من الخدمات. خوف السكان من أيام صعبة آتية دفعهم إلى التبضع من مناطق أخرى غير إقليم كردستان، الذي يواجهون صعوبة في العودة منه إلى الموصل عند اندلاع الاشتباكات بين مقاتلي التنظيم وقوات البشمركة، ولذلك يفضّل الكثيرون التبضع من إقليم الحسكة في سوريا، لا سيما سكان القرى والنواحي التابعة للموصل، خصوصاً أن الطريق إلى هناك سالكة، ويمكنهم إلى جانب ذلك الحصول على الوقود الذي بدأ يشح بشكل كبير في الموصل وبعض المدن الأخرى. ومع مرور الأيام، بدأ يتقلص عدد السيارات التي تسير في شوارع المدينة بسبب شح الوقود، وصار من المعتاد رؤية الطوابير داخل المدينة وخارجها، حيث يقوم الشباب الواقفون في الطوابير بلعب كرة القدم بانتظار تزويدهم بالبنزين، والبعض يتحدث مازحاً «إنها تصفيات كأس العالم لطوابير البنزين».
وفي الوقت الذي حرمت فيه «الدولة» الرجال من لبس الـ»جينز» والـ«تي شيرت»، فإنها وجّهت معمل ألبسة الموصل (الحكومي الذي كان يتبع وزارة الصناعة)، الذي توقف أياماً بعد سيطرة التنظيم، ليعود إلى العمل مجدداً وإنتاج الزي القندهاري، الذي يمثل «الزي الرسمي» لـ«الدولة الإسلامية»، والذي يتكوّن من قميص طويل يصل إلى الركبة وسروال، كذلك بدأ خيّاطو الموصل بصناعة الزي بحرفية بحسب الطلبات التي تردهم، لكنهم أدخلوا عليه بعض إضافات الموضة الحديثة، بناءً على طلبات الشباب الموصلي الذين اعتبروه موضة الزمن الجديد. وفور سيطرة مقاتلي «الدولة» على المدينة، أشعلوا النار في الكنيسة الأرمنية، وهذا ما دفع المسيحيين في الموصل إلى النزوح جماعياً منها، سيما أنهم على علم مسبق بما فعله التنظيم بمسيحيي سوريا، وفرض الجزية عليهم في مدينة الرقة.
ورغم انقضاء شهر حزيران، لم يتسلم الموظفون الحكوميون رواتبهم حتى الآن، أما سلطات «الدولة» في المدينة فقد وعدت الناس بتسليمهم الرواتب، بعد خفضها على نحو كبير عن السابق.