فدائيان ملثمان يصعد أحدهما إلى عمود كهربائي للتوتر العالي، ثم ينزل ليحمل «منشاراً» كهربائياً ويقطع العمود! كان ذلك لقطع التيار عن مستوطنة «دوليف». ثم يقف الشابان يتفرجان على عمود الكهرباء يقع وسط تطاير الشرر، مسبباً قطع التيار عن تلك المستوطنة. على الأثر، اندفعت قوة من الجيش الصهيوني محاولةً القبض على الشابين، اللذين لاذا بالفرار، ولم تُعرف الجهة التي ينتميان إليها. الفيديو الذي حقق نسبة مشاهدة مرتفعة جدا، يؤكد أن المقاومة الفلسطينية من الممكن أن تكون بسيطة وسهلة، وشديدة الابتكار والأذى في الوقت نفسه.

فالتخريب «المجتمعي» هو من بنات أفكار المفكّر الأميركي اليهودي وأستاذ السياسة في جامعة ماساتشوستس في دارتمونت جين شارب. والرجل هو الأب الفعلي لنظريات التحرّك «اللاسلاحي» و«الكفاح السلمي»، وهو إذ نظّر كثيراً في هذا الموضوع، وخصوصاً في كتابه «من الديكتاتورية إلى الديمقراطية»، يؤكد أنه على الشعوب التي تعيش تحت وطأة «حاكمٍ ظالم» أو نظامٍ قمعي ديكتاتوري، أن تلجأ إلى كل الوسائل التي تسبب الأذى للنظام نفسه. أولاً عليها أن ترفض التقيّد بالقوانين والطاعة، أن تسبب الأذى بالوسائل المتاحة، ليس هناك من حاجة أبداً إلى الصدام المباشر: يمكن أن تضرب النظام في مكان مؤلم ودون أن تتألم أنت. فقطع الكهرباء أو الماء أو أي من وسائل «الحياة» اليومية يسبب مشكلةً للنظام مهما كان. وهذا بالضبط ما شاهدناه في هذا الفيديو.
وبرغم أن الشابين الملثمين في الفيديو قد لا يكونان ربما سمعا بشارب، فإن هذا النوع من الأعمال حدث في الانتفاضتين الأولى(1987) والثانية (2000). هذا النوع من الأعمال قد يقود إلى انتفاضة ثالثة يحتاج إليها الشارع الفلسطيني وبقوة، لانها وسيلة يمكن للجميع ان يستخدمها.
ويمكن تذكّر تجربة هي الأقدم نسبياً في «الكفاح السلمي»، وبالتحديد في المدينة التي تتعرض اليوم لأبشع الاعتداءات: غزّة. فغزّة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كانت عصية على الجيش الصهيوني، وباعتراف قادته: «كنا نحكمها في النهار، أما في الليل، فهي تحت سلطة غيفارا غزّة ورجاله». و«غيفارا غزة» لمن لا يعرفه هو «محمد الأسود» القائد العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (لم يكن جناحها العسكري، كتائب الشهيد أبو علي مصطفى، قد ظهر بعد). ففي النهار كان الصهاينة يتحركون في الشوارع ممارسين «احتلالهم»، أما في الليل، فكانوا يهربون إلى ثكنهم المحصنة والمسلحة جدا، فيصبحون بذلك «بطات عاجزة» بانتظار «صيادها»، متعرضين لضربات من مقاومين لا يمتلكون السلاح الناري، وإن امتلكوه فسيكون بندقية أو بندقيتين على الأكثر وبضع قنابل من المولوتوف (شارب يعدها نوعاً من أساليب الدفاع البسيط عن الذات). كانت تلك الضربات على شكل: هجومٍ على مركز للشرطة، قطع الكهرباء عن مراكز للبلدية (التابعة للصهاينة)، قطع المياه عن مناطق معيّنة، احراق مركز الحاكم العسكري في غزّة، وسواها من الأعمال الـ«تخريبية»، التي تركت أثراً كبيراً على نفسية الجنود الأعداء. هذه النشاطات دفعت في النهاية بالجيش الصهيوني إلى الانسحاب إلى حدود غزّة والبقاء خارجها، كما يفعل في مدن أخرى كثيرة في فلسطين، كسلفيت مثلاً، محاصراً إياها، مسيطراً عليها عبر مداخلها ومخارجها، محولاً إياها للأسف إلى سجن كبير.




وإن عدتم عدنا

يذكر أن حالات «الكفاح السلمي» كانت تحدث بين الفينة والأخرى، ولكنها عادت إلى الظهور بقوة بعد استشهاد الفتى المقدسي محمد أبو خضير، ابن حي شعفاط المقدسي، الذي قتله وأحرقه مستوطنون صهاينة، مما سبب حالة غضب عارمة بين الفلسطينين، دفعتهم إلى رشق الجيش الصهيوني وشرطته بالحجارة واشعال إطارات السيارات وحتى إيقاف خط القطار الذي يمر داخل الحي بإحراق بعض من مركباته (ونجحوا في تعطيل القطار إلى حين)، وهي المحاولة التي لو استمرت لكانت قد حكمت على آلاف من المستوطنين الصهاينة بالشلل عن الحركة بسهولة من القدس وإليها.