غزة | لا يجد المواطن الفلسطيني إسماعيل الزعانين سبيلاً للتعبير عن مأساته إلا البكاء بعد أن فقد مأواه إثر إلقاء المدفعية الإسرائيلية قذائفها العشوائية على منازل المواطنين في بلدة بيت حانون أقصى شمال قطاع غزة، ليتحول مشهد البلدة الزراعية إلى ما يشبه مدينة الأشباح. طرق الزعانين في العقد الرابع من عمره رأسه في الجدار مراراً لعله يستفيق من هول ما رأى، فلقد تحول حيّ بأكمله داخل البلدة إلى تلال من ركام حتى صعب على السكان التعرف إلى منازلهم، واكتفوا بالمرور فوقها ليجد كل منهم متكأً فوق التلة ليجلس عليه ويبكي ذكرياته.


واضطر الزعانين ومعه الآلاف من العائلات إلى النزوح عن البلدة قبل نحو أسبوع تحت تهديد القذائف والصواريخ التي سبقتها تحذيرات صوتية عبر الهاتف وإلقاء منشورات عبر الجو، وكلها تفيدهم بضرورة إخلاء المساكن تحت دعوى الحفاظ على الأرواح. هم كانوا أكثر حظاً من أهل الشجاعية (شرق غزة)، إذ تحسسوا الخطر لتجربتهم الحدودية المرّة خلال سنوات الانتفاضة وقرروا الانسحاب باكراً، لكن عدداً كبيراً من العائلات بقي هناك واستخرجت جثثهم من تحت هذه الأنقاض خلال الهدنة القصيرة أول من أمس.
وبمجرد أن ذاع نبأ دخول التهدئة الأممية المؤقتة حيز التنفيذ مع الثامنة صباحاً حتى اثتني عشرة ساعة لاحقة، خرجت قوافل النازحين تسابق الزمن ليتفقدوا مساكنهم، لكنهم صعقوا لهول الفاجعة. في جنبات البلدة وأزقتها، تمتزج رائحتا الدم والبارود، فمعاول رجال الدفاع المدني ما فتئت تضرب الأنقاض بحثاً عن الجثث، والأهالي يحلقون حولهم لعلهم يسمعون أنيناً من تحت الأرض، لكن لم يخرج أحد حيا ممن دفنوا تحت ركام مساكنهم.
في هذا المشهد، وقفت أم محمد الكفارنة ترمق جثة نجلها التي تحللت تحت الركام للتأكد من ملامحه، وإذا بها تصرخ: «يمّا يا حبيبي... ليش شوهوك يمّا كنت وردة مفتحة؟»، قالتها ثم غشي عليها وارتمت أرضاً.


أغلق مستشفى البلدة
أبوابه بعدما تعرض للقصف
أكثر من مرة

والشهيد الكفارنة هو واحد من بين ثلاث عشرة جثة انتُشلت خلال ساعات الهدنة، لكن ما طغى على الموقف أن الدمار احتل المساحة الكبرى في بيت حانون التي يزيد عدد سكانها على 40 ألف نسمة.
على بعد عشرات الأمتار من الحدود الشرقية للبلدة التي زرناها وقد بدت خالية تماماً من الأهالي، وتحديداً على مقربة من مدرسة ذكور بيت حانون الثانوية، زرعت الأرض بمخلفات القذائف وبقايا الرصاص التي تشي ببقايا معركة دارت بين الوحدات الإسرائيلية الخاصة ورجال المقاومة.
بالتقدم قليلاً باتجاه البيوت المدمرة، صادفنا شاب في العشرين من عمره عرف نفسه بمحمد نجيب، واصطحبنا إلى أسفل بنايتهم المهدمة لنقف على بقع الدم المنتشرة في المكان، وقال إنها لجنود إسرائيليين كانوا قد تحصنوا في المكان قبل الاشتباك مع المقاومة، لكننا لم نجد أدلة دامغة على وجودهم عبر عتاد عسكري، علماً أن المقاومة كانت قبل ساعات من إعلان التهدئة قد كشفت عن استهدافها عشرة جنود في كمين داخل بيت حانون.
هناك أيضاً صنعت الآلات العسكرية ممراً أرضياً عريضاً يخلفه ساتر ترابي في الشارع الرئيسي للبلدة، يبدو أنه كان حصناً للدبابات من قذائف المقاومين. وفي مشهد أقرب إلى تفاصيل نكبة 1948، خرجت العجوز أم سمير حمد وأبناؤها من مسكنهم المتهاوي وهم يحملون قليلاً من الأمتعة وبعض أسطوانات الغاز، واتجهوا مجدداً إلى مدارس الإيواء التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا).
سقطت من يد العجوز رزمة وسادات على الطريق الملبد بفتات الزجاج وبقايا الركام، فصرخ ابنها: «لقد جئنا نأخذ مصاغنا وأموالنا، لكنها اندثرت وراحت أدراج الرياح، دعي الفرشات والوسادات وامضي يا أمي». ردت عليه الأم المكلومة: «بعوض الله يمّا امشي، السلامة غنيمة».
في هذه الأثناء، خرج أحمد أبو عودة من مزرعة الدجاج النافقة الخاصة به وهو يبكي ويحتسب خسارته عند الله، مؤكداً أنه فقد نحو 35 ألف فرخ بفعل إلقاء قذيفة مدفعية على المزرعة. ويشير أبو عودة الذي يعيل أسرة مكونة من عشرة أفراد، إلى أن قيمة الخسارة التي تكبدها نحو 20 ألف دولار، فضلاً عن فقدانه سيارتين ومسكنه المقام على مساحة نصف دونم.
ورغم انقشاع الجيش وآلاته العسكرية عن المكان، فإن بعض المساكن التي احترقت بقيت ألسنة اللهب تتصاعد منها، فيما أعطب طريق سيارة «الأخبار» أعمدة الكهرباء الملقاة أرضاً. لكن الحدث الأكثر ألماً في بيت حانون هو تدمير المستشفى المركزي في البلدة الذي أغلق أبوابه بعد استهدافه بعدد كبير من الصواريخ، ليصل عدد المستشفيات ومراكز الإسعاف التي دمرت تدميراً جزئياً إلى ثمانية، وفق مركز الميزان لحقوق الإنسان. وعبر المركز نفسه في بيان تلقت «الأخبار» نسخة عنه، عن شجبه واستنكاره الشديدين «لاستمرار صمت المجتمع الدولي عن جرائم الاحتلال، ما يشجع إسرائيل على مواصلة جرائم الحرب التي ترتكبها في غزة».
وبمجرد أن حل المساء على البلدة، أمسك الناس هنا عن الكلام وأفسحوا المجال أمام الكاميرا لتوثق عن كثب، فيما سارع المكلومون للملمة ما بقي من مقتنياتهم واعتلوا حافلاتهم عائدين إلى مراكز الإيواء التي أضحت ملجأهم الوحيد، بعد أن فقدت أكثر من 30 ألف عائلة مساكنها، وسارع الصحافيون إلى مغادرة المكان وبقي لسان حال المهجرين يقول: «راجعين يا دار».