داريا | «لم يعد المسلحون جائعين»، يقول جندي يؤدي خدمة العلم في داريا. ثلاث سنوات مرت على الحرب في البلدة الواقعة جنوب دمشق، ولا يزال مسلحوها قابعين في ملاجئهم. الحصار المفروض عليهم خفّت وطأته، بعد المصالحة في معضمية الشام المفتوحة على بساتين داريا.


يمتد خط التماس داخل البلدة على طول المساحات المعرّضة للقنص، بدءاً من ساحة شريدة والجمعيات وسوق العجم، وصولاً إلى المدرسة الشرعية للبنات الواقعة تحت سيطرة الجيش. 3000 مسلح ينتشرون بين 5000 مدني، موزعين على مناطق: شارع الثورة، والكنيسة، وجامع الرحمن، ومحطة القطار، وجامع داريا الكبير، ومديرية المالية.
يسيطر الجيش على حوالى 75% من البلدة. تقتصر الحرب، اليوم، على مناوشات متفرقة وقنص متبادل. آخر اشتباك يذكره الجنود كان قبل شهر، في محاولة فاشلة من المسلحين لإحداث خرق في الطوق المفروض عليهم.

لا إجماع بين المسلحين

تبدأ الرحلة إلى داريا عبر منطقة المعامل والمشاتل التي يبس زرعها منذ وقت طويل لا يتذكّره رواد البلدة من العسكريين. ومع الوصول إلى مدخل البلدة يظهر قوس الترحيب الرخامي على حاله، وقد كتب عليه منذ ما قبل «الثورة» عبارة تخاطب الرئيس الأسد: «سلمتَ وتسلم البلد».
يلوّح العنب على أسطح المنازل المهجورة، مستجدياً قطف الغلال. المحاصيل على حالها، ولا شيء يزداد سوى الدمار. مع الوصول إلى دوار الباسل تبدأ مباني البلدة المدمرة. إلى يمين الدوار يظهر طريق الكورنيش، ومقام السيدة سكينة إلى اليسار. يتعايش الجنود خلال إقامتهم الطويلة في داريا، مع الموت المجاور، بتفادي القناص، بعدما هدأت وتيرة الاشتباكات. يحافظ الجيش على تمركزه في المنطقة المحيطة بالمدرسة الشرعية ومدينة الملاهي. منازل مفتوحة الجدران بعضها على بعض، يغلفها سواد ألسنة اللهب التي لم تبقِ على شيء. يروي الجنود عن التناحر داخل الأحياء الجنوبية المحاصرة، بين قادة الكتائب، الذين حاولوا الاجتماع للتصويت على اقتراح بنود لاتفاق مصالحة مشابه لاتفاق المعضمية أو إعادة تصعيد الأوضاع على الجبهة الهادئة. فشل المجتمعون في الوصول إلى إجماع. ورغم ذلك يبقى احتمال المصالحة قائماً بالنسبة إلى قوات الجيش، رغم تشبث المسلحين بشرطهم المتمثل في إخراج الجيش من المنطقة وسيطرتهم عليها. في حين يتمسك الجيش بشرطه الوحيد وهو تسليم السلاح وتسوية الأوضاع.

جبهة فقدت تأثيرها

لم يعد لجبهة داريا تأثيرها، وهو ما يبعد احتمال عمليات عسكرية كبرى تتطلب توغلاً برياً، إذ فقدت المعارك حدّتها بعد شلّ حركة المسلحين وحشرهم في أحياء لا تؤثر في النقاط الحيوية المحيطة، كمطار المزة أو الأوتوستراد الدولي. عوامل أفقدت المسلحين قدرتهم على التهديد المباشر وحصرتهم في منطقة ضيقة، لا سيّما بعد حصارهم تحت الأرض أيضاً، من خلال أنفاق فرعية حفرها الجيش للوصول إلى أنفاقهم وتفخيخها. آخر المدنيين الذين طلبوا الخروج من الأحياء المحاصرة منذ سنة، بلغ عددهم 15 شخصاً. ويروي جندي في الجيش حكاية أبي محمد، وهو رجل عجوز من البلدة بقي في منزله تحت حماية الجيش، رغم أن أولاده يحاربون مع «الجيش الحر». رفض الرجل الرحيل عن بلدته وتحمّل أعباء النزوح، وبقي جاراً ودوداً لعناصر الجيش الذين كانوا يزورونه. بنبرة حزينة يذكر الجندي كيف توفي العجوز على فراشه في سكتة قلبية غير معني بالحرب من حوله، أو بأولاده المتمردين على الدولة.

مدنيون تحت حماية الجيش

إلى اليسار من مدخل داريا، وعلى بعد 200 متر، يقع حي بساتين اللوان. الحي المفصول عن سائر البلدة بساتر ترابي طويل، يقطن داخله مدنيون من داريا وآخرون تنحدر أصولهم من مدينة إدلب. تتوزع حواجز الجيش داخل الحي المكتظ والغني بمشاتله الخضراء الضخمة، كتعويض عمّا حلّ بمشاتل البلدة. الحياة تبدو طبيعية داخل الحي المعزول بعد إحداث مدخل خاص به. يسير الأطفال والنساء في الشارع من دون أي تأثر بالمعارك الدائرة على المقلب الآخر من البلدة، في حين يجلس الرجال خارج محالّهم التجارية، هاربين من الحَر الخانق في الداخل. غيث لا يتجاوز العاشرة من العمر ويعمل في ورشة لتصليح السيارات، يؤكد أنه لا يزال يذهب إلى المدرسة، إلا أنه يعمل صيفاً «كسائر أطفال الحي»، فيما يذكر زياد، بائع خُضر، أن «الحي بقي في منأى عن كل المعارك الدائرة على بعد أمتار قليلة». «لم يسمح أهالي الحي للمسلحين بالاحتماء وسط مدنيي حيّهم»، حسب زياد، إذ «لا حاضن شعبياً لهم».
اقتصرت أحداث الحي، يروي زياد، على «مداهمات أمنية كشفت مخازن أسلحة، وأفضت إلى تورط بعض الأفراد في تعاون مع مسلحي داريا». هذا الأمر يرفضه الأهالي بسبب ما يجرّه على الحي من ويلات الحرب»، يضيف.