حلب | لم تعد الكهرباء «الحسرة» الأكبر في نفوس أهالي مدينة حلب، وهي التي تغيب عنهم أياماً متتالية لتزورهم ساعات. منازل حلبية لم تشهد قطرة مياه واحدة منذ أكثر من شهر ونصف شهر. حلّت عبوات المياه محل كل شيء آخر في المدينة المنكوبة. الآلاف يتنقلون من مكان إلى آخر وهم يحملونها لملئها. طوابير طويلة أمام مناهل مياه عامة أو خراطيم آبار خاصة وضعها موسرون أمام بيوتهم، وخلف صهاريج حكومية، فيما أطفال دون الخامسة من العائلات المهجرة، يجرّون بصعوبة صناديق بلاستيكية تضم عدداً من عبوات المياه.


يتفنن أهالي المدينة في توفير الليترات القليلة التي يحصلون عليها يومياً في شهر رمضان الذي يتميز بارتفاع الاستهلاك المنزلي بشكل كبير، وسط عجز إداري عن توفير بدائل كافية.
المياه التي تضخ لساعات في اتجاه بعض المناطق كل خمسة أيام، لم تزر مناطق أخرى منذ أربعين يوماً. وفيما يشكو السكان محاباة لبعض المناطق على حساب مناطق أخرى، يؤكد مسؤولو المحافظة أنّ الاعتبارات الفنية للشبكة هي ما يحتّم وصول المياه إلى أحياء أكثر من غيرها.
ويقول مصدر في مؤسسة المياه لـ«الأخبار» إنّ حي الأشرفية الذي انقطعت فيه المياه خمسين يوماً متتالية «هو أعلى حيّ في المدينة (أي آخر من تصل اليه المياه)، الكميات القليلة التي تضخ في الشبكة وبفعل الطرق الفنية التي اتبعناها أصبحت تصل الى مناطق مختلفة، ولكن الأمر منوط باستمرار الضخ لأن أي توقف يعني استمرار انسياب المياه نحو المناطق المنخفضة».
رائدة عبد الكريم، وهي ربة منزل، تقول: «لا نهدر أية قطرة ماء نحصل عليها، حوّلنا مياه المغسلة والمجلى إلى سطل نجمعه لشطف البلكون ودورة المياه. الحمام فقط بسطلين، وخففنا الطبخ بالأخص الدسم لتخفيف الجلي، وحتى مياه الجلي نلقيها في المرحاض بدلاً من المياه النقية».


منازل حلبية لم
تصلها قطرة مياه واحدة منذ أكثر من شهر ونصف شهر

أما فادي طنوس، وهو مواطن عاطل من العمل منذ سنة، فاشترى برميلاً ومضخة صغيرة. يضع البرميل على الرصيف أمام البناء الذي يقطنه ويضخ المياه منه إلى خزان المنزل، بينما ينقل مع زوجته وطفلته الماء من بئر قريب بواسطة عبوات بسعة 25 ليتراً. في كل يوم يضخّ نحو 300 ليتر بهذه الطريقة ويستهلكها في اليوم نفسه. «لا يمكنني شراء برميل المياه بـ500 ليرة، كل يوم أحتاج إلى برميل ونصف برميل، رغم كل الاقتصاد في استهلاكه، اشتريت هذا البرميل البلاستيكي ومضخة، نجمع الماء من عدة مصادر لملئه، ثم نضخه إلى الخزان على الطابق الخامس».

«حمّام الهنا» أصبح من الماضي

المدينة التي بلغ عدد حماماتها العامة العشرات قبل نصف قرن وتحول كثير منها إلى مراكز سياحية، بات الحمام أو «الدوش» ترفاً لأهلها، ويحتاج إلى آلة حاسبة لقياس كمية الماء المستهلكة.
وصل الأمر بالبعض إلى الاستحمام بعبوات المياه المعدنية التي تضاعف سعرها هي الأخرى. أبو كامل كلاوي الذي اضطر إلى الاستحمام بهذه العبوات، يقول لـ«الأخبار»: «نعم فعلت ذلك تحت الضغط، لا يوجد قطرة مياه في البيت ولا أعرف أي مصدر لتعبئة خزان بيتي، اضطررت إلى الاستحمام بمياه معدنية، استهلكت أربع عبوات مياه فقط، شعرت بالحزن ولكن ما العمل؟».

تجارة المياه وارتفاع في الأسعار

تجارة المياه تطورت بسرعة. مئات الشاحنات الصغيرة بدأت بنقل المياه في خزانات بسعة 1000 ليتر وضخها إلى خزانات البيوت بأسعار وصلت إلى 7 ليرات لكل ليتر (سعر المتر المكعب 3 ليرات) وتراجعت في الأيام الأخيرة إلى ما دون الثلاث ليرات، وسرعان ما قام بعض أصحاب محطات الوقود بتنظيف صهاريجهم، وطلائها من الداخل بمواد عازلة لاستخدامها في توزيع المياه للاستخدام المنزلي.
أسعار الخزانات والبراميل والعبوات البلاستيكية تضاعفت، ووصل سعر الخزان بسعة متر مكعب واحد إلى 20 ألف ليرة، وقفز سعر البرميل بسعة 220 ليتراً من 2500 ليرة سورية إلى 6000 ليرة، فيما أصبح اختيار المطعم أو الكافيتيريا مرتبطاً بسؤال عن وجود ماء في دورات مياهه أو لا، بعد أن خلت معظمها من المياه.
في الأيام الأخيرة، بدأت ورش تابعة لمؤسسة المياه والصرف الصحي في حلب بإصلاح أنابيب المياه التي تضررت بعد تفجير النفق في حيّ الميدان في حزيران الماضي... لعلّ ذلك يعد بـ«انفراج مائي قريب».