فؤاد معصوم رئيساً للعراق، بمعية جلال الطالباني. سياسي كردي مخضرم من مؤسسي الاتحاد الوطني الكردستاني يدخل القصر الرئاسي في ظرف عراقي صعب. ملفات كثيرة تنتظره، يتوقع كثيرون أن يتعاطى معها بحكمة، هو المعروف بوسطيته، وبحنكته. في النهاية، هو الابن الروحي للمام جلال وظلّه الدائم. لم يكن أحد قد فكر به لهذا المنصب طوال الفترة الماضية.


غير أنه، منذ عودة الطالباني من رحلته العلاجية في ألمانيا الى مسقط رأسه في مدينة السليمانية في إقليم كردستان (330 كلم شمالي بغداد)، استبُدلت مُتحوِّلات المعادلة السياسية التي يُنتظر منها إنتاج رئيس جديد للعراق يعقب الرئيس العليل، حين أصبح «رفيق» الطالباني «التاريخي» فؤاد معصوم المرشح الأوفر حظاً من التحالف الكردستاني للرئاسة في العراق.
فطوال احتجاب الرئيس المريض منذ أواخر 2012، لم يرد ذكر واستحضار معصوم بين المرشّحين الكرد المحتملين للرئاسة، وأبرزهم: برهم صالح، كوسرت رسول أحمد وهيرو ابراهيم، زوجة الطالباني.
ولا غرو في كل ما حدث، فقد كان معصوم على الدوام قمراً في مدار الطالباني، يأفل بأفوله وينبلج بطلوعه، حتى وصفه الأكراد بـ«الطالباني الظل» لما أخذه من صفات أبيه «الروحي» من طول الصبر والتجلّد، والتأني في ردود الأفعال، وعدم استفزاز الخصوم، قدر انتزاع المطالب منهم بالحوار والتفاهم. وهو أسلوب افتقده الزعماء الكرد طوال فترة غياب الرئيس، ما أدى الى تأزم العلاقة مع المركز وصلت الى حد القطيعة، بعدما ترك تواري «المام جلال» المفاجئ ثُغَراً فادحة في نهج تصريف الأمور في البيت الكردستاني، مثلما الوطني.
وطوال الفترة التي توعّك فيها الرئيس، تلاشى صوت معصوم، واضمحلّ دوره السياسي في العلن، فلم يأت له ذكر بين مرشحي الرئاسة، حتى إذا عاد الرئيس أطلّ معصوم من جديد وكأنه كان منتظراً عودة الطالباني.


يُنظر الى اختيار
معصوم باعتباره
خيار «الوسطية»
لقد أهمد الحضور الطالباني تبارز الزعامات الكردية على تسلم المنصب الشاغر للرئيس العليل، وآل التنافس والتساجل الى وفاق، وكأن المتنافسين يواسون أنفسهم، في أنّ تبوّء معصوم لمنصب الرئيس هو تبجيل لأحد مؤسسي «الاتحاد الوطني»، يوم اجتمع الطالباني ومعصوم وآخرون في مقهى دمشقي في أيار 1975، معلنين الخروج على عباءة القيادة العشائرية الكردية التقليدية التي كان يمثلها الملا مصطفى البرزاني «1903 – 1979»، في خطوة اعتبرت انقلاباً «يسارياً» على النهج القبلي التقليدي الذي طبع زعامات الكرد.
والذين خبروا معصوم يستنبطون بسهولة أنه يعي رمزية اختياره لرئاسة العراق حال عودة الطالباني، التي أطاحت منافسيه وعرّفتهم بثقلهم الحقيقي أمام القيادات التاريخية للكرد، في تأكيد واضح على أن الجيل الجديد مهما أبدى من كفاءة وإخلاص، فمن غير الممكن له تجاوز الزعامات التقليدية التي صعدت الجبال، وقارعت صدام حسين لزمن طويل.
عراقياً، يُنظر الى اختيار معصوم باعتباره خيار «الوسطية» في ظلّ «اسراف» كردي طبع السياسات تجاه القضايا الشائكة مع بغداد، بل هو إرساء لـ«تعادلية» في الكاريزما بين رموز الحزبين الرئيسيين في كردستان، «الاتحاد الوطني» و«الحزب الديموقراطي»، وتصحيح لمسار العلاقة مع بغداد بحسب رؤية الطالباني التي تبدو متعارضة الى حد كبير مع سياسة البرزاني في التصعيد والقطيعة.
بل إنّ ثمة من يرى أنّ معصوم الذي سيقيس المسافات السياسية حيال القضايا «الحساسة» بمسطرة الطالباني، سيكون نداً قوياً للبرزاني، في صراع المجال الحيوي بين الكرد أنفسهم حول مناطق النفوذ، وستعطيه بغداد ما لم تمنحه للبرزاني، نكايةً بالأخير.
ويبدو واضحاً أن جزءاً كبيراً من المهمة الملقاة على الطالباني وهو يعود متقاعداً «رسمياً»، فاعلاً «واقعياً»، هو إعادة ترتيب نقلات رقعة الشطرنج في حزبه لإثبات وجوده أولاً، عبر بوابة معصوم في بغداد، وعبر بوابة إقامته الدائمة في السليمانية لتجاوز أسباب خسارة حزبه في الانتخابات التشريعية الأخيرة في أيلول 2013، والتي عُدّت «نكسة» في مسيرة الاتحاد الوطني، لا تليق بتاريخه النضالي. ولد محمد فؤاد معصوم خضر عام 1950 في أربيل، ووالده الشيخ الملا معصوم كان رئيس علماء كردستان، ومن دعاة التقارب المذهبي والتعايش الديني.
وقبل عام 2003، شغل معصوم مناصب سياسية عدة، منها أول رئيس وزراء لحكومة كردستان العراق في مطلع التسعينيات.
وبعد الاجتياح الأميركي للعراق 2003، نال معصوم عضوية البرلمان العراقي 2005 عن محافظة بغداد ضمن قائمة «التحالف الوطني الكردستاني» التي حصلت على 53 مقعداً في مجلس النواب العراقي، كما تبوأ منصب رئيس لجنة كتابة الدستور العراقي الدائم، ورئيس «التحالف الوطني الكردستاني» داخل البرلمان العراقي منذ 2006.
وعلى رغم أن معصوم درس في الأزهر ونال الدكتوراه عن رسالة له حول «فلسفة إخوان الصفا»، إلا أن اتجاهه «اليساري» هو الذي قرّبه من جلال الطالباني، ليبدو في الكثير من الأحيان بنظارته «السميكة» وحسن استماعه للآخرين، وأناته في رد الفعل، وكأنه «حكيم» الحزب، ما أكسبه قوة «رمزية» الى جانب الطالباني، للأجيال السياسية الجديدة التي تدرك مكانة معصوم، وأنّ طاعته من طاعة «المام جلال». لكن كل هذا الحديث عن معصوم، باعتباره رمزاً نضالياً للكرد، لم يمنع من اتهامه بالتوسّط 2009 لحل مشكلة ابنته جوان، التي تسلمت منصب وزيرة الاتصالات في عهد حكومة ابراهيم الجعفري 2005 والتي صدر أمر بإلقاء القبض عليها بعد تهمة الفساد والاختلاس. ولا يُنتظر من معصوم على المستوى الخارجي الكثير، ولا سيما أن منصب الرئيس هو فخري في العراق، لكن المتوقع أنه سيستثمر علاقات الطالباني المتينة مع زعماء العالم، ولا سيما في إيران وتركيا لفتح نوافذ إقليمية تعكس نتائج إيجابية على الوضع في العراق، فيما يواجه في الداخل تحديات العقد المستعصية على الحل، عبر تركيب الجسر الواصل الى بغداد بهندسة «طالبانية» وليس «برزانية». وهي أول مهمة مُلقاة على عاتق الرجل الذي يحظى باحترام خاص من قبل أقطاب حكومة المركز، ولا سيما رئيس الوزراء نوري المالكي الذي يرى في عودة الطالباني وصعود معصوم انتصاراً على «الابتزاز» البرزاني، وهو ما يفسر الارتياح الكبير في أوساط «التحالف الوطني الشيعي» لهذا التطور الجيد، فيما لا تنظر إليه الائتلافات «السنية» باعتباره متغيراً لصالحهم، في ظل ترحيب إيراني وأميركي متوقع، وتهنئة برزانية «باردة».