ساعات حاسمة تعيشها دوائر صناعة القرار اليوم بعدما بات توسيع العدوان على غزة خيار ضرورة، على الرغم مما يحمله من مخاطر، وذلك بعدما أجهض الصمود الميداني والسياسي للمقاومة، التي لم تقبل برفع الحصار بديلاً لوقف النار، جهود وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي غادر المنطقة أمس بخفي حنين، وإن كانت الجهود الدبلوماسية الإقليمية لم تتوقف على المحاور كافة. ولعل الموقف المصري، الذي عبر عنه المشير عبد الفتاح السيسي الذي نطق أخيراً أمس بعد دهر من الصمت، كان الأكثر نشازاً بعدما تعامل مع العدوان بعقلية مراقب اسكندينافي يعترف فقط بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين.

وهكذا، انتهت جولة كيري التي استمرت ثلاثة أيام، وشملت القاهرة ورام الله وتل أبيب، إلى اخفاق في تحقيق هدفها بانتزاع وقف لإطلاق النار. ورغم الأجواء التفاؤلية التي بثها الإعلام العبري مساء أمس، بعدما تناقل تصريح لوزير رفيع المستوى في المجلس الوزاري المصغر، بأن وقف إطلاق النار بات قريباً، إلا أن هذا التفاؤل تبدد بعد لقاء كيري – نتنياهو المسائي.

وأشارت مصادر في الوفد الأميركي المرافق لكيري، إلى «الفشل في تحقيق الانطلاقة»، الأمر الذي أكدته أيضاً مصادر إسرائيلية رفيعة المستوى بقولها، إن الظروف لم تنضج بعد لوقف إطلاق النار «بسبب التعنت الذي تبديه حماس».
وفي أعقاب فشل مساعي كيري، عادت إسرائيل لتهدد الفلسطينيين، والتلويح باستمرار العملية البرية، بل وأيضاً تأكيد أنها جاهزة لتوسيعها أكثر. وفي إطار الضغوط، أكد الإعلام العبري أن المجلس الوزاري المصغر اجتمع أمس للبحث في مسألة استمرار العملية البرية والمرحلة المقبلة.
وكان نائب مستشار الأمن القومي الأميركي، طوني بلينكن، قد أشار أمس في مقابلة إذاعية إلى أن إدارة الرئيس باراك أوباما تبحث عن مخرج للأزمة لا يسمح لحماس بالعودة إلى تهديد إسرائيل بإطلاق الصواريخ، مضيفاً أن إحدى النتائج المأمولة لوقف إطلاق النار، هو نزع السلاح في غزة بطريقة أو بأخرى، والتأكد من أن ما يحدث الآن لن يتكرر في المستقبل.
وكان كيري قد تحدث في وقت سابق عن أن مفاوضات الوساطة للتهدئة تشهد تقدماً، وذلك في خلاصة اجتماعاته في كل من القاهرة ورام الله والقدس المحتلة منذ ثلاثة أيام.
وقال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واصل بو يوسف، إن الرئيس الفلسطيني محمود عباس سلم كيري مبادرة تتضمن 5 نقاط لتحقيق التهدئة، يفترض أن يكون الوزير الأميركي قد طرحها مساء أمس على نتنياهو.
ووفق المصدر، فإن المبادرة تقضي أولاً بوقف إطلاق النار خلال 5 أيام من إقرارها، يليها رفع الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، وفتح معبر رفح على أن تتولى إدارته قوات من حرس الرئاسة الفلسطينية قوامها 1000 عنصر. كذلك تنص المبادرة على إعادة مناطق الصيد البحري على شواطئ القطاع إلى 12 ميلاً، يلي ذلك إلغاء المناطق العازلة التي تفرضها إسرائيل على حدود قطاع غزة. وتقضي المبادرة أيضاً بإطلاق سراح جميع من أعيد اعتقالهم ممن أطلق سراحهم ضمن صفقة شاليط، وإطلاق سراح الدفعة الرابعة من أسرى أوسلو.
يشار إلى أن كيري التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي وتشاور هاتفياً مع كل من وزيري الخارجية التركي أحمد داود أوغلو والقطري خالد العطية.
وبالتوازي مع جولة كيري، واصل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون زيارته لدول المنطقة حيث حط أمس في عمّان، معلناً أن «رسالتي كانت دائماً متسقة وقوية، يجب أن يتوقف هذا العنف الآن».
ويفترض أن يتوجه وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان إلى موسكو الاثنين المقبل حتى يشرح لروسيا التي تطالب بوقف لإطلاق النار، موقف بلاده من الهجوم الذي يشنه الجيش الإسرائيلي على غزة.

مشعل: رفع الحصار أولاً

في هذا الوقت، أكد رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل رفضه أي وقف لإطلاق النار قبل رفع الحصار. وقال مشعل في مؤتمر صحافي في الدوحة: «آن الأوان لكسر الحصار (...) وأن تلبى مطالب الشعب الفلسطيني (...) نحن نريد وقف العدوان غداً أو اليوم أو في هذه اللحظة، لكن ارفعوا الحصار ضمانة وبشكل مؤكد وليس وعداً أو تفاوضاً لاحقاً». وأضاف: «نتفق على المطالب وتحقيقها وبعد ذلك نتفق على الساعة الصفر لوقف اطلاق النار»، مؤكداً: «لا نقبل أية مبادرة لا ترفع الحصار عن شعبنا»، مشيراً إلى «أننا لا نعترض على دور أحد من أجل رفع الحصار وكسر الحصار بغير رجعة».
وشدد مشعل على أن «أي تهدئة إنسانية، وليس التفافاً على مطالب المقاومة والشعب (..) تهدئة إنسانية مدعومة ببرنامج إغاثة حقيقي يقدم لأهل غرة، لا نوصد الباب أمامها لكن لن ننخدع بتوظيفها».

القمة السعودية القطرية

وكان أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، قد التقى الملك السعودي عبدالله في جدة أول من أمس حضره مسؤولون رفيعو المستوى من الجانب السعودي بينهم بندر بن سلطان مستشار الملك عبدالله وولي العهد الأمير سلمان والأمير مقرن ولي ولي العهد، بحسب مسؤول سعودي.
وقالت وكالة «فرانس برس» «إن الاجتماع جلب على طاولة المفاوضات اثنين من أكثر المفاوضين العرب تأثيراً فيما يدعم كل منهما مبادرة مختلفة لوقف إطلاف النار في غزة، فالسعودية تدعم المبادرة المصرية التي تحظى أيضاً بدعم غربي، أما قطر فتدعم مبادرة حماس التي تشترط رفع الحصار عن القطاع لوقف إطلاق النار».
ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدر مطلع في العاصمة القطرية قوله «إن الغرض الرئيسي للزيارة هو التوصل إلى صيغة لوقف إطلاق النار في غزة». وقال المصدر «إن قطر ملتزمة بالشعب الفلسطيني وتريد أن تفعل كل ما بوسعها لوقف القتل، وزيارة الأمير للسعودية تأتي في هذا السياق».

خامنئي: إسرائيل إلى زوال

في السياق، رأى مرشد الجمهورية الإيرانية آية الله علي خامنئي أن «الطريقة الوحيدة لمواجهة هذا النظام الشرس (إسرائيل) هي مواصلة المقاومة والنضال المسلح وتوسيعها إلى الضفة الغربية». وأضاف أن «الحل الوحيد الفعلي هو زوال إسرائيل، لكن هذا لا يعني القضاء على الشعب اليهودي في هذه المنطقة».
وأوضح أن إيران تعرض إجراء «استفتاء» يشارك فيه جميع «الناس الذين يعيشون في هذه المنطقة ومن ينتمون إليها»، وخصوصاً اللاجئين الفلسطينيين. «بذلك، يزول هذا النظام المغتصب والدمية».

تحقيق دولي

وفي وقت سقط فيه يوم أمس أكثر من 60 شهيداً ومئات الجرحى، قرر مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة تشكيل لجنة دولية لها صفة عاجلة للتحقيق بشأن «كل الانتهاكات» المرتكبة في العدوان الإسرائيلي. وتبنى المجلس الذي يعد 47 عضواً القرار الذي طرحته فلسطين، بغالبية 29 صوتاً بينها الدول العربية والإسلامية التي انضمت إليها الصين وروسيا ودول أميركا اللاتينية ودول افريقية، فيما عارضت الولايات المتحدة وحدها القرار وامتنعت 17 دولة عن التصويت.
ويطلب القرار «إرسال لجنة تحقيق مستقلة ودولية بصورة عاجلة» للتحقيق حول هذه الانتهاكات ويدعو المحققين إلى وضع لائحة بـ«الانتهاكات والجرائم المرتكبة» و«تحديد هوية المسؤولين عنها» بهدف محاكمتهم و«وضع حد للافلات من العقاب». ويطلب القرار من جهة اخرى وضع الفلسطينيين تحت «حماية دولية فورية». ويدعو الى «الوقف الفوري للهجمات العسكرية الاسرائيلية» و«وضع حد للهجمات ضد المدنيين بمن فيهم المدنيون الاسرائيليون».
(الأخبار)